الأحد، 7 نوفمبر 2010

من مجموعة سيسقط البيت - بقلم على عوض

حادث ضد مجهول

صخب ولغط وصراخ يسود موقف الركاب ، يأتون إليه من القرى ،
سمعان هو المسئول عن أمن السوق ، البائعون المتجولون لا يلتزمون بأماكنهم ، يفرشون بضاعتهم على قارعة الطريق أمام مدخل السوق . كان ذلك يسبب الإختناقات فى الموقف فيؤثر على سير ونظام المرور .الصول سعيد صدره واسعا لا يهتم بالإختناقات أو بدخول  السيارات وخروجها أو الدوران أو تكديس الحافلات بالركاب ، وهذه الأشياء التافهة ، إنه يهتم بروح القانون ، يتفاهم مع السائقين بطريقته الخاصة ، الأسلوب اللين البسيط هو أقرب الطرق إلى قلوبهم ، لم يفكر فى عمل مخالفة لأحدهم إلا إذا كان مضطرا ، لذلك يكونون كرماء معه دائما ، حاشا لله أن يطلب منهم رشوة كما يظن بعض الحاقدين ، إنهم هم الذين يعطونه بسخاء ، هو أيضا لا يبخل على أحدهم بأى فكة من الخردة التى تملأ جيوبه ، حينما ينتهى من تجميدها يخفيها عن العيون فى جيب الجاكت الداخلى ، لقد دأب على ذلك ،أيضا هو كريم فى بيته ، كان يحمل كل أنواع الفاكهة واللحوم لزوجته وأولاده ، لا يضن عليهم بأى شىء مادامت مسطورة ، أيضا إذا ركب معه أحد فى سيارته الخاصة لم يفكر أن يأخذ منه أجرا سواء كان ذلك أثناء ذهابه الى عمله أو عودته ، لوعزم عليه بسيجارة محشوة بالبانجو أو المخدرات لايرفضها ، طبعا حتى لايقلل من شأنه ، إنه متواضع ، لذلك ربنا ساترها معه دائما فى كل خطواته ، لم يعمل غير حادثة واحدة منذ شرائه سيارته الجديدة ، لقد دهم خروف ظهر له فجأة فى طريقه ، لقد عفا عن صاحبه ولم يعمل له مخالفة ، لولا أنه سائق ماهر لانقلبت سيارته الفارهة ، مشكلته أنه يكون عصبى المزاج فى الصباح بسبب بطنه الخاوية وعدم تدخينه الشيشة مع  صديقه سمعان ، إنهما يعملان بساحة القانون ، كان مشغولا هو الآخر مع التجار  والبائعين المتجولين، معظمهم من أرباب السوابق أو العاطلين ، يتمتعون بقوة جسدية ولسان "زفر " يخفون آلات حادة داخل ثيابهم ، لا يلتزمون بقواعد السوق إلا فى حالة الضرورة القصوى ، لم يكن أمين الشرطة سمعان يدقق معهم أو يضايقهم  لا يهمه إذا وقفوا وسط الشارع ببضاعتهم أو المحطة نفسها مادام متفاهما معهم ، الصول سعيد يقَدَّر موقفه ، كان قد أخذ يستعد لتجهيز الفطور ، هذه مسؤليته ، لديه قدره فائقة فى شراء الأشياء بأجور ذهيدة أوبدون أجر ، سواء كان من السوق أو المحلات التى تطوق موقف الركاب من كل اتجاه ، البطون فارغة وكل شىء فارغ ، فى الصباح يندس بين السيارات ملوحا لهم بقلمه ودفتر مخالفاته ، كرشه الممتد إلى الأمام أو لحمه المكتنز لا يعوق حركته ، عندما تنضبط الأمور يبدأ فى التهام فطوره مع صديقه ، تهدأ الأعصاب بعدها وتنساب الابتسامة العريضة على شفتيه، يعكف على الشيشة بينما أمين الشرطة سمعان يدخن السجائر الأجنبية ذات العلبة الزرقاء ، أما الفاكهة فهى أمامه بغير حساب ،  فجأة نفذت داخل خياشيمه رائحة تفاح أمريكانى ، أشاح بوجهه فسقطت عيناه عليه ،كان قد أتى به الفكهانى من توه ، بتنمر أخذت تدور عيناه داخل الصندوق ، التقط إحداها بصورة آليه ، أخذ يقضمها بصوت مسموع ، كان لها مذاق مميز ، لم يتناول مثلها منذ زمن بعيد ، شد انتباهه صرخات متتالية ، كان هناك حصان جامح يجرى بهستريا جارا خلفه عربة كارو محملة بالحديد ، ذات اطارات كبيرة ، أدرك فى تلك اللحظة أن العربجى فقد السيطرة على الحصان ، كانت عربة الكارو دعست امرأة ، بعضا من زبائن السوق يلتفون حولها ، أرغفة الخبز التى حصلت عليها مؤخرا تتناثر حولها ، العربجى فشل فى إيقاف عربته ، الحصان الغاضب مازال يشق طريقه بفوضى ، اختفى من أمام الأنظار ، أحد سائقى التاكسى أمهل خطواته ممعنا النظر فيما حدث ، وقعت عيناه على دماء تندفع من فم المرأة المدهوسة ، توقف أمامها للحظات مفكرا ، كانت ما زالت على قيد الحياة ، سرعان ما اندفع بسيارته هاربا وكأن ثعبانا لدغه ، لقد تذكر ما أصابه منذ بضعة شهور ، كان قد حمل مصاب من الطريق بالصدفة ، لسوء حظه أن المصاب لفظ أنفاسه الأخيرة بمجرد وصوله إلى المستشفى ببضعة دقائق ، ظل محبوسا على ذمة التحقيق مع المجرمين إلى أن تم الإفراج عنه بكفالة ، لقد أقسم منذ تلك اللحظة أن لا يحمل أى مصاب أو مريض معه فى سيارته حتى لو كان أخوه ،كانت المصابة من بلدة قريبة من الموقف ، الصول سعيد أمسك بيدها فكانت باردة ، سأله زميله سمعان:
عملت محضر للمتسبب؟
-لا العربة الكارو ولا الحصان يحملان لوحات معدنية
- اعمل مخالفة للعربجى الهارب
- العربجى ليس له ذنب.....  و ....
قاطعه
- خلاص اعمل مخالفة للحصان
- الحصان مظلوم كمان  لأن الجنان الذى أصابه بسبب نقص الفول والعلف


الباعة تعلو أصواتهم :
- كرنب المحاشى ، ...... البرتقال السكري ، يا مجنونه يا طماطم
توقف قلب المرأة تماما ، انفض الجميع من حولها . قال أمين الشرطة سمعان بأسى:
- ماتت .
عمرها انتهى وخلاص ،......... بالحصان كانت هتموت ومن غيره هتموت برده ،....... أيد الحادثة ضد مجهول
غطاها أمين الشرطة بالجرائد ، جمع أرغفة الخبز المتناثرة حولها ووضعها بجوارها ، أدار ظهره لها متجها إلى السوق.  

الطائر المسحور

عندما يحلق فى السماء يبدو كسحابة سوداء قاتمة ، يحجب الشمس عنهم ، يحيل نهارهم إلى ليل دائم ، لم يعرفوا مثله على مدى قرون فائتة ، منقاره يمتد إلى الفراغ الذى يحتويه ، حوصلته منتفخة فى تحفز ، رأسه صغير خالية من الريش ، يطلقون عليه الطائر الرئيس ، يلتف حوله أسراب من الطيور المسحورة على شاكلته ، يلازموه كظله ، إنهم حرسه وقادته ومنفذين لأوامره دون وعى أو تفكير ، أى معارضون له يزجون بهم فى غياهب المعتقلات ، أو يطلقون عليه شتى أنواع الأمراض الخبيثة أو قتلهم أو نفيهم ، كانت تلك الطيور المسحورة حريصة على جمع المحاصيل والثمار له من أرجاء البلاد ، يحفظها فى خزائنه ، عندما يفقدون سحرهم يعودون إلى طبيعتهم ، يحملون نفس قسمات شعب دولة فاسكوليا المتحدة . يندسون بينهم فيعجزون عن اكتشاف تحولهم ، كانوا يطوقون الميادين ، يسدون الطرقات ، يلاحقوهم فى حقولهم ومصانعهم ، حتى دور عبادتهم ،أيضا رئيسهم الطائر لا يعرفه شعبه إلا بعد أن يفقد سحره ، كانت صوره تملأ الشوارع ، مفروضة عليهم فى التلفاز ، تماثيله تملأ الميادين ، أضخمها تمثال الحرية الذى يربض فى نفس الميدان الذى سمى باسمه . من الصعب أن يراه الناس على حقيقته . كان مشغولا بجمع الأموال التى يحتفظ بمعظمها فى الخارج ، الكل يسارع فى إرضائه  لكف أذاه عنه ، الصيادون يقدمون له الأسماك  ، تجار الذهب يمنحوه السلاسل والعقود ليوشى بها رقبته أو صدره ، محطات الوقود تسارع فى تمويل أساطيل سياراته ومعداته التى استولى عليها عنوة ، الأراضي الشاسعة التى احتلها ......... كل شيء بغير حساب ، المشكلة أن مطالبه وأوامره لا تتوقف ،كل ذلك يتم عن طريق منشوراته
- إذا لم تقدموا له القمح والأرز، و...،و....،و......... سيشرب ماء النهر ،و.....
- أو توردوا له الحليب ،و....،.و......... سيقتل مواشيكم ،و........،و ........
منذ عهد طويل وأمور دولة فاسكوليا المتحدة تسير على هذه النواميس ، يسقط عليهم منشوراته من السماء ، أو يبعثها داخل بيوتهم عن طريق طيوره المسحورة ، ربما يدسوها تحت وسادة نومهم أو فى أماكن عملهم . الطائر الرئيس مَّل هذه اللعبة ، لم يعد يجد فيها لذة أو متعة حقيقية،المصيبة أن شعب فاسكوليا لم يحتج أو يثور ضده ، فى الخفاء يشجبون ويستنكرون ، إنهم ينفذون أوامره صاغرين . قرر أخيرا أن يستفذهم ويخرجهم من خضوعهم واستكانتهم ، لقد أصدر منشورا جديدا :
  إلى شعب فاسكوليا الذليل لقد قررت ووافقت بأن تركعوا أمام تمثالي الكائن بميدان الحرية صباحا ومساء وقبل الأكل وبعده مقابل ضرائب تدفعوها تشريفا لكم وتبركا بعظمتي وإلا منعت عنكم الهواء و
فى خلال ساعات قلائل كان شعب فاسكوليا بأسره علم بأمر المنشور الأخير ، على التو أخذ المسؤولون يهللون ويصفقون على حكمة رئيسهم الطائر وعبقريته ، أيضا الشعب الفاسكولى قام بمظاهرة تأييد لرئيسهم الملهم ، كان يتابع بنفسه تلك التظاهرات من خلال التلفاز الفاسكولى ، انتابه حزن بالغ ، كاد يجن من هذا الشعب الفاقد لإحساسه ، ظن أن اللعبة ستكون من طرف واحد مثل كل مرة لولا أن نهض معارضون يرفضون ويثورون . فى البداية ظن أن هؤلاء الثائرين ليسوا من شعب فاسكوليا . أكدت له عيونه وجواسيسه فيما بعد أنهم شرزمة صغيرة ضالة. شغله هذا الأمر كثيرا ، تعجب لتغير هذا الشعب فجأة دون مقدمات ، أمر رجاله بعمل دراسة مستفيضة لمعرفة هذا التغير . أدرك فيما بعد أن اللعبة هذه المرة قد اكتملت ، أصبح للمعادلة طرفان ، يجب وزنها حتى يكون التفاعل مثمرا . سيُصب غضبه عليهم حتى يؤكد هيمنته وجبروته . إنه الطائر الرئيس ،  لا قبله ولا بعده ، لقد واتته اللحظة التى كان ينتظرها ،قبل أن يهاجمهم فاجئوه هو وطيوره المسحورة ، أحرقوا منشوراته بغتة ، كانت مكدسة فى أرجاء البلاد ، تطاردهم أينما يولوا وجوههم ، أضاءت النيران سماءهم وأرضهم . أصاب لهيبها ريش طيورهم المسحورة . فقدوا توازنهم ، تعثروا فى طيرانهم ، أخذوا يترنحوا ، لاحقوهم ، كان فى المقدمة عم أحمد الفلاح وسيد إبراهيم الموظف والشيخ صابر والقس ميخائيل وعم فاضل الحداد . منهم من يمشى على قدميه أو يركب دراجته أو سيارته أو ....، أو
اختفت الطيور المخادعة بين أجنحة الدخان الأسود الكثيف المتصاعد من تلك المنشورات ، رائحتهم العفنة فضحت أمرهم ، ساعدتهم على اقتفاء أثرهم ، أخذت الطيور المسحورة  تجأر مفزوعة ، فقدوا سحرهم الرهيب ، ظلوا يتساقطون تباعا ، ما زالوا يتابعون فرارهم الفاضح بثقة واطمئنان .

دراسة نقدية بقلم الدكتور عبد الحميد القط - للمجموعة القصصية الحمار يعرف كل شئ

مجموعة قصصية تعتمد على الرمز والتجريد ، وتغريب الواقع . الأمر الذى يجعلها مجموعة تستحق الدراسة باعتبارها تمثل أسلوبا فنيا متميزا للكاتب وفى الوقت ذاته تمثل أسلوبا جديدا فى التعبير عن قضاياها التى تغلب عليها الموضوعات الإجتماعية والسياسية . وتتخذ المجموعة القصصية عنوانا لها . العنوان الذى أطلقه الكاتب على القصة الأخيرة فى المجموعة والمجموعة تحتوى على سبع عشرة قصة . وأول قصص المجموعة وهى ( شرخ فى الحائط الزجاجى ) قصة رمزية ، تعتمد على واقع غير مؤلوف أو بعبارة أخرى ، تعتمد على تغريب الواقع تخلص إلى هدفها ، وخلاصة ما ترمى إليه القصة هو أن الرضا بما يحيط بالإنسان من أسوار ترمز إلى الإستبعاد هو رضى بالذل والمهانة والإستعباد ، ويوم أن يقتنع هذا الإنسان ، بحقه فى الحرية والتمرد على الإستعباد ، ويعمل على الخلاص من تلك الأسوار التى تكبلٌه بالأغلال ، يصبح حرا ويصبح إنسانا جديرا بالحياة . والأوضاع فى هذه المدينة ذات الأسوار أوضاع مقلوبة . فالناس يسيرون على رؤوسهم . فإذا تجرأ أحدهم وسار على قدميه ، هاجمته حيوانات متوحشة ، وهى ترمز إلى السلطة الحاكمة التى تفرض على الناس هذه الأوضاع المقلوبة ، ومن أراد أن يعيش حرا عليه أن يدفع ثمن هذه الحرية . ويصور هذه الحيوانات وقدرتها على ردع كل من تسول له نفسه ، أن يعيش بشرا سويا ، حتى تجبره ، على السير على رأسه ، كما كان يفعل من قبل ، ويصور ذلك الكاتب بقوله ( لم يخط كل بضع خطوات وهاجمته حيوانات البلدة ، المفترسة ، كانوا يفحون بتواصل عندما تلتقط عيونهم أى كائنات تمشى على رجليها ، يُدارون بإشارات موجهة ، أفواههم مختفية خلف ذيولهم الطويلة ، ينتشرون فى جماعات بالتناوب فى أرجاء البلدة ، يسرقون هواءها الطازج بخراطيمهم المنتشرة على أجسادهم الضخمة ، أرسلوا ومضات خفية نحو رأسه ، فأدارها ببطىء ، فقد القدرة على التحكم فى نفسه ، عادت سورته المقلوبة سيرتها الأولى . ( المجموعة صفحة 7 )
والحرية لاتأتى بغير كفاح فلابد أن تحاول وأن تعانى حتى تصل إليها وأن تكون متسلحا بقيم ثقافية وأخلاقية ، ومتى تسلحت بها وصلت إلى ماتريد وانتصرت على جميع العقبات وتخلصت من كافة المعوقات بل وأصبحت بشرا سويا يسير على رجليه بدلا من السير على رأسه ،  بل وإمتلكت القوى : ( فتح التابوت الأكبر بصعوبة ، تبعه فتح كل التوابيت الأخرى ................ إكتشف كلمات سرمدية  ، قراءها بتفحص . كان من بينها مخطوطات قديمة ، تشع منها هالات من الضوء ، علق أحدها فوق صدره ، على التو أحس بتدفق دم جديد داخله ، فجأة إستعاد توازنه ، وقف على رجليه بثبات لأول مرة ............ ( صفحة 8 ، 9 )
وكان أن وجد أصدقاءه القدامى يحتفظون بأحجبة فوق صدورهم ، فزعت منه الحيوانات المتوحشة ، ولم يجرؤ على مهاجمتهم ونتيجة لتوحدهم وإتحاد فكرهم " ركلوا السور الزجاجى فى لحظة خاطفة ، أحدثوا فيه شرخا عظيما ، تدفق ضوء باهر من خلاله " ( صفحة 9 )

ومن الواضح أن هذا الأسلوب القائم على تغريب الواقع ، والذى يقوم على شخص واحد ، يقتحم الخطر فيتبعه الناس ، ويهدمون سور المدينة ، أو سور الظلم والاستبداد والأحجبة وخريطة البلد القديمة هى رموز للعدل والحق والتراث أو القيم الموروثة . بل أننا يمكن ان نقول أن طلب المغامرة لابد أن ينتهى بالتحرر . ومن القصص التى تعتمد على الرمز وتغريب الواقع قصة ( البيت الكبير ) وهى قصة إنسانية بطلها عجوز تغير الواقع من حولها فلم تعد سيدة تحيا ما كانت تحياه فى رفاهية وإنما تغير هذا الواقع إلى خراب ، فالبيت الكبير الذى تملكة يكاد يتداعى وتعبث فيه الفئران إتلافا وتخريبا ، وهى تحاول المحافظة على البيت وتقنياته الأثرية والفنية ، ولكنها لاتقدر على ذلك ، وهذا البيت الكبير تحيط به بيوت الغرباء التى تصيبه بالضرر وتلقى عليه بما تمتلكه من نفاياتها . والكاتب يعتمد أسلوبا فنيا ممتازا ، إنه يتابع الجدة فى تحركها ، ويتابع ماحولها من خلال رؤيتها له وموقفها منه . فمن خلال هذه الأم العجوز نرى كل ما حولها ، مع وضعها فى أثناء ذلك جسديا مركزا على ضعفها وتهالكها . وتبدأ حركتها مع سماعها صوت طلقات نارية صادرة من التلفاز . لم يبق لها إلا إبنها الأكبر عشماوى المشغول بالتسلية أمام التلفاز ، أما إبنتها فقد هجرت البيت ، وأما زوجة إبنها فبينها وبين الأم مايشبه العداء أو القطيعة . ولكن إبنها الآخر صابر فقد أعتقل وهى تتحدث عنه بحديث غامض لكن ما تركه من تماثيل توحى بأنه كان فنانا . وظلت تغلق حجرته منذ غادر البيت ، ويكون دخولها إلى حجرته أداة فنية لتصوير شخصيته ( تذكرت أن قدميها لم تطآها منذ أن قادوه هناك ، فاجأتها تماثيل لأفراد عائلته جميعا ) " صفحة 14 "
ويصور الكاتب تعاملها مع القئران التى تعيث فسادا فى انحاء البيت الكبير ، وما تبذله من جهد لوقف عبثهم هذا ، ويتحدث الكاتب مصورا رؤية هذه الجدة أو الأم العجوز لما أصبح من السلام بين الفئران والقطط ، كل هذا والإبن وزوجته غير عابئين بشىء من إفساد الفئران لكل شىء بل عن فأرا ينشىء فحرا له يصل بين البيت والخارج ليفر منه متى شاء وليصور الكاتب الخطر الذى يحيق بكل شىء فى البيت . وتتحدث القصة عن الغرباء ، الذين تنتمى إليهم زوجة إبنها ، فهم قد كثروا وانشأوا بيوتا فى الحى الذى يحيط بالبيت الكبير . ثم يتابع الكاتب الجدة بعد إستيقاظها فى تحركاتها المختلفة ليصورها لنا من خلالها مأساتها وآلامها وإغترابها . فقد هرمت اشجار الحديقة ، وتهاوت أعشاش الحمام والأرانب وقد طمع فيها الغرباء وما نالها من تغير . وهى فى أثناء ذلك قطة معتدية تريد إفتراس الأرانب التى أصبحت منهارة البيوت . وخصوصا وأن القطط إتخذت من الفئران صديقة لها . ولكن القطة تهرب عن رؤية حفيد العجوز وفا منه وكان يقبض على حجر ليضربها فلا يصيبها الحجر ولكنه بكسر زجاج الغرفة وهذا الحفيد ملتصق بحدته ملازم لها لايفارقة وهى تحبه وترعاه وكأنه يمثل الرابط القوى لها بالحياة . بينما تكون علاقتها غير طبيعية مع أمه . أما إبنها فمشغول بمشاهدة التلفاز . ولكن الأرنبة تحذر أبئاءها من القطة وتجرح وجهها بمخالبها . ويرتبط بهذا علاقة إبنها صابر المعتقل الذى وعد بالتخلص منها قبل إعتقاله القهر . كما ان الطفل يكون بديلا لعمه المعتقل ويشبهه فى ملامح وجهه وبإنقاذها للأرانب تسترد قوتها وتحتضن حفيدها فى قوة ، وبهذا تنتهى القصة ويكون فى الوقت نفسه قد انهى مشاهدته للتلفاز وهى نهاية موفقة للقصة ، فالكاتب يتتبع الجدة حتى تنتهى من رحلتها فى أنحاء البيت وينتهى صابر الذى كان مشغولا عن العالم وعن كل شىء بمشاهدته للتلفاز . ولنا أن نتساءل هل تختلف هذه القصة عن سابقتها ؟ لاشك أنها تختلف من وجوه وتتفق من وجوه أما وجوه الإتفاق فتمثل فى ان الواقع الذى تصوره القصة بكل تفاصيله هو واقع رمزى وليس واقعيا كالذى يحيى فيه الناس جميعا فالأم العجوز ربما تكون رمزا لمصر والبيت الكبير هو مصر نفسها ، الوطن الذى يحيى فيه المصريون جميعا ولعل الكاتب يريد ان يصور هذا البيت الكبير لايعنى به أهله ينصرفون عنه ، فأصبح نهبا للغرباء الذين أصبحوا مصدر أذى له ، كما تصبح الجرزان رمزا للخطر المحدق بهذا الوطن فهى تعيث فيه فسادا ، وليس صدفة أن الفار الكبير يستطيع النفاد إلى البيت من خارجه مما يدل على ان البيت اصبح مرتعا للفساد ، والفئران رمز له . اما الإختلاف فيتمثل فى أن الأم هى أم من لحم ودم . وأنها تعانى خراب بيتها الكبير الذى كانت تعيش فيه أجمل أيام حياتها والان أصبحت تتحسر على هذا الماضى الجميل وتعيش حاضرا مؤسيا نفتقد فيه الحنان والتواصل من ابنائها فمن رحل أو هاجر لم يعد ، ومن أعتقل لم يعد مخلفا تراثه الذى يذكر به .
وهذه الأم لاتعبأ إلا بحفظ بيتها من تخريب الفئران ومن حماية أرنبها ومن رعاية إبن إبنها الذى يرتبط بها ولايعبأ بوالديه ولهذا مغزاه أيضا بل أن هذا الإبن يمثل الأمل الوحيد لجدته فى حماية البيت الكبير ، مصر  . ولاشك أن الواقع رغم كونه واقعا إلا انه لا يخلوا من الغرابة والرمزية     

وتكون قصة "ضر س العقل " نموذجا واقعيا لأثر تحكم الزوجة التى تعمل فى الخارج فى زوجها ، وأثر هذا العمل فى الخارج على العلاقة بين الزوجين ، فهى تختار لها صديقا ، وهو يختار بدلا منها ممرضة ، كما لايخلو الأثر من الزواج المبكر للإبنة التى تتزوج وهى دون العشرين دون موافقة الأب ، كما أن الزوج أصبح فاقدا لشخصيته أو قل حريته . والبناء فى هذه القصة يشبه بوجه عام بناء قصته البيت الكبير من حيث الشخصيات من خلال حدث كبير ، ومن خلال تحرك شخصية من الشخصيات فمن خلال حركة الزوج تقدم القصة كلها ، وينتقل الكاتب بين أحداث العرس وبين هموم الزوج إلى أن تنتهى القصة بقراره أن يخلع ضرس العقل الذى لم يعد هناك مفر من التخلص منه . ولكن القصة هنا تخرج على الإطار العام للمجموعة من حيث الرمزية وتغريب الواقع .
أما قصة "رفضوا أن يكونوا " تعتمد على تغريب الواقع فأبطال القصة من الحمير والخنازير ولكنهم يعيشون ويتصرفون كمتجمع آدمى ولهم حاكم طالم باطش لمن يخالفه ، وله من العقوبات مايرضع من تسول له نفسه الخروج على أوامره أو طاعته . و"رفضوا أن يكونوا" خاضعين للإستبداد والقهر والقصة تنتهى بمقتل الساحر بفيضان النهر وإنهيار النظام الفاسد فى هذه المملكة للحيوانات وانهار النظام بكاملة وعادت الحرية لأهله . وهى قصة تبعث على التفاؤل بأن الحرية من نصيب من لايردون الإستعباد ، ويرفضون الديكتاتورية ويحاربونها . وهى تصور أتباع الحاكم الفاسد بأوصاف بشرية .
ومن القصص التى تعتمد تكنيك قصة البيت الكبير قصة " الضوء الحمر " وبها جريمة قتل ويستخدم الكاتب زوجة الرجل المريض كراوية ، ويكون التركيز على الرجل المريض الذى لايتكلم المعالجون له الذين كانوا كأنهم يحاصورنه ، حتى يقضى نحبه ، وفى الوقت نفسه لايستطيع المريض أن يفصح عما بداخله ، والحوار يكون مقتضبا جدا . ويكاد يكون من طرف واحد . وهذا فضلا عن تغريب الواقع ومن خلال الزوجة الراوية وفى زمن قصير من خلاله تصور الزوج ومن حوله من أناس يحاصرونه ، وكأن العملية الجراحية تمثل شيئا آخر ، وأن الحصار حوله ينتقل إلى  ما حول المبنى . ونلاحظ عبارات مثل : قيدوه ولا تجعلوه يتحرك أو قوله : انفجار فى الأعور . أو الحديث عن من يحيطون بالمريض بقول الكاتب عنهم : هزٌَ أصحاب الأيدى المتشابكة . أو إلتفت الأيدى المتشابكة حول زوجى . أو قوله : أو مأ ذو الضحكة الصفراء . وهذا التغريب من شأنه أن يجعل المريض ضحية سياسية ، وليس مريض عادى .

ومن القصص التى يمتزج فيها الواقعى بالخيالى وتعتمد التغريب أسلوبا فنيا ( قصة الإختيار ) وتصور ملكة تحكم شعبا وتسذله وتسخره لتحقيق مآربها وأطماعها . وهذه الملكة تجمع الشباب فى ساحة كبيرة لتختار رجلا تراه أفضل الرجال جميعا ، لتعيش معه رحلة متعة حتى تراه قد إستنفز أغراضه وتجمع الشعب كله والشباب منهم خاصة لتختار رجلا آخر ، ويسلم الزوج الجديد شارته لقديم الذى يكافأ على خدماته السابقة . والرجل الذى تختاره الملكة يسمى ( المعصوم ) وهذا المعصوم يكون وطنيا من الطراز الأول حتى بعد إستبداله بغيره ويعيش منعما جزاء وفاقا على ماحققه  للملكة من متعة ( كا من حقه إدارة شئون البلاد ، يغير ويبدل قوانينها كيف يشاء . الملكة توافقه الرأى دائما . يستمد قوته من قوتها القاهرة . ) صفحة 63
الشعب لايخلع قيوده إلا فى يوم الإختبار لكنه مقيد بقيود كثيرة فالشباب باختصار مستعبدون . يخلعون قيودهم فى يوم الإختيار ، ثم لايلبس بعد أن يتم الإختيار أن يعودوا إلى سابق عهدهم من المذلة والهوان
وبالقصة أيضا المرأة الثمينة الملازمة للملكة كما يقول الكاتب وهى أمينة الملكة ومعصومتها الدائمة . ولابد أن تختار لها هى أيضا معصومها الذى تختاره فى الخفاء فالناس على دين ملوكهم لكن التغريب يلعب دوره والبناء الفنى يرتبط بالموقف فى ساحة الملكة ويعتمد الكاتب على تصوير مايجرى فى هذه الساحة من إختيار معصوم الملكة ، وما يفعله الرجال والنساء ، وما يجرى بحق الشباب الذين جاءوا لتختار الملكة معصومها من بينهم . كما تجرى طقوس تبادل المعصومين القديم والجديد للمواقف والشارات . والكاتب يعمل إلى التغريب ويذكر الغربان المقدسة . كما يتحدث عن معاقبة الخارجين على قوانين الملكة فى الموقف نفسه ولكنهم يفشلون فى القبض على كبيرهم . ويختم القصة بتصوير علاقة بين رجل وامرأته ، ويصوها جسديا كما يتحدث عن بحثه عن المفاتيح ليهرب ولكنه لايستطيع أن يفعل شيئا ، بل إن المرأة تفتح فمها وهو مملوء بالعقارب والأفاعى . وكأن رؤيته لأمرأته تمثل كابوسا وتنتهى القصة بعجزه عن الهرب .
ومن الملاحظ أن قضية الحرية تشغل الكاتب فالناس يعملون فى إستخراج الذهب الذى تتمتع به الملكة ومن حولها وهم قلائل ولكن الشعب يعيش جائعا ، كما أن المملكة تكاد تكون مملكة نساء لامملكة رجال وكأنه يقول لو أنهم كانوا رجالا لحرروا أنفسهم من الذل والعبودية .

أما قصة الوجوه النحاسية ، فتصور رجلا مقهورا تتخلى عن زوجته ، ويتجرع أدوية لعلها هى تزيده مرضا على مرض ، ولكن فجأة وبقوة الإرادة ينهض من فراشة ويستطيع أن يتحرك ، ثم هو بعد ذلك يستطيع الكلام ، وفى النهاية يقرر الخروج من بيته حاملا حقيبته لايتبعه إلا كلبه العجوز ، وبعد أن يفر بحقيبته ينتقل إلى حى آخر مشرق لاتغيب عنه الشمس ، وليس به ذباب ولا فئران ولاقذارة ، وكأن هذا الحىٌَ يرمز إلى الحياة التى يتطلع إليها الرجل . وموضع القصة لايخلوا من التغريب ، وبه كثير من الجزئيات التى فى قصة البيت الكبير كالفئران ، والصور القديمة ومظاهر البؤس والحياة البائسة الفقيرة والوحدة والإغتراب ، كما كانت الأم فى قصة البيت الكبير تعيش وحيدة إلا من وجود إبن إبنها الصغير الذى يملأ حياتها ، وإن كان لها إبن يعيش هو وزوجته معها ولكن دون أن يعيشا فى وئام معها فكأنهما ليسا موجودين .
أما أصحاب الوجوه النحاسية فرمز لقوى قلهرة تتصلت عليه وتريد له أن يموت فى مرضه وقذارته ولكنه بارادته يشفى ويرفض المرض والعبودية ، بل يرفض العيش فى المكان الذى لايجد فيه الحرية والكرامة . والتكنيك فيهما واحد وهو عرض للشخصية  فى حالة او موقف ، ويتفجر من هذا الموقف كل أحداث القصة من محاولة الوقوف أو النهوض من سرير المرض حتى الخروج من منزلة والبحث عن حى جديد يعيش فيه . وهذه القصة لاتخلو من الحديث عن موضوعه المفضل وهو موضوع الحرية وتكنيك قصة ( لحظات طائشة ) وتصور وضع رجل متزوج لاينجب ويركز الكاتب على لحظات معاشرته ، لزوجته ، وهى تصوره لاينجب ، وأثر ذلك عليه ، كما تصور مايحل بالرجل من فقر ، ومن إحساسه بنظرة زوجتنه إليه على أنه رجل خام غير مجرب فى أمور الجنس حتى إنها كانت سيدة الموقف ليلة زواجهما وهو موزع بين أمه المريضة العجوز وبين زوجته ، وكأنه يحتمى بأمه من عجزه عن الإنجاب ، وهذه القصة تشبه فى بنائها قصة البيت الكبير والقصة السابقة وتصوير الشخصية فى هذا البناء تركز على حركتها وهمومها تنتهى بموف تقوم به الشخصية فى نهاية القصة يحتمى به الكاتب من سيطرة أمرأته عليه بأنوثتها وجسدها إذ يحتضن صورة امه ويستغرق فى النوم ، ولكن هذه القصة لاتلجأ للتغريب إنما تعتمد على تصوير الواقع وفى زمن قصير كالقصص السابقة . وقصة ( نباح كلب ميت ) تركز على حلم إمرأة ، وهو حلم دموى ، ولكنه ينتهى بإفاقتها من نومها وتذكرها أو إدراكها أن ما كانت تعيشه كان حلما مزعجا أو كابوسا . وهى أى القصة تركز على الحلم وما رتب عليه من الإفاقة وما يعقبه من مشاعر تتملك الزوجة .
وقصة ( الغول ) قصة جيدة تعبر عن نشر الذعر بين الناس لأنهم يعتقدون أن هناك غولا يمر بالقرية ليلا ويصيب جميع السكان بالذعر ، ولكن شيخ المسجد قرر  أن يكشف الأمر وبالفعل تطوف جماعات بالقرية لكشف قصة الغول التى تكشف عن حمار معلق فى ذيله جرس ويغطى وجهه وجسده بشعر كثيف ، وتكون المفارقة فى ان الحمار هو حمار شيخ المسجد الذى كان قد سُرق من قبل . ولاشك أن للقصة مغزى إنسانيا . والقصة مبنية بناء جيدا إذ يبدأ الحدث من كشف موقف الناس من الغول ، ثم يتور لقرار كشف حقيقته وبانكشاف القصة يكون الحدث قد حل .

وفى قصة ( الغريب ) يثبت الكاتب بطله فى حلم غريب ليستيقظ على نداء الطيار بربط الأحزمة ثم تقدمه مع ما يعترى الطائرة فى الجو من متاعب . ثم ينتقل بعد هبوط الطائرة بالبطل إذ يركب تاكسى ليذهب إلى منزله ولكن الكاتب قبل ذلك يشير إلى أن إخبار بطله كانت قد إنقطعت بعد موت أمه ، لأنه مازال يحتفظ بصورة غير واضحة للطريق الموصل إلى بيتها ثم يتابع الكاتب مشاعر بطله وهو فى التاكسى متجها إلى قريته . ثم هو يصور ذكرياته عند سفره وأمه تتوسل إليه ألا يسافر ، ثم يعيد الكاتب بطله إى سيارة التاكسى والسائق ويصور فى إيجار الطريق الذى يمر به ، وتنعكس رؤيته بالمكان وما حدث به من تغير على نفسه وعلى رؤيته لما حوله وتنتهى القصة وكأنها تشير إلى ان ما فقده بالسفر لايمكن أن يعوضه عما إفتقده بسبب هذا السفر ، وتنتهى القصة نهاية موفقة وهى أنه تذكر أنه أن لم يبتسم منذ أن غادر بلدته أى انه فقد السعادة
( والفانوس ) قصة سياسية تقوم على تصوير تويف الإنتخابات ويبدأ الحدث من وجود فوانيس خطرة من وجهة نظر الحزب المعارض وتنتهى القصة بانتصار المعارضة التى ترمز لها الفوانيس أما قصة ( حتى يكون ديمقراطيا ) فتمثل إسقاطا سياسيا . وتصور مملكة من الكلاب والحمير تؤبن حاكمها الراحل وتختار حاكما جديدا ، ومغزى القصة هو الديكتاتورية لاتبقى حاكا حتى لو كان فى عالم الحيوان .

أما قصة ( الحمار يعرف كل شىء ) فهى قصة جيدة تصور حياة بائسة لعربجى وزوجته وحماره . وتوضح علاقته بالزوجة وبالحمار ، وتنتهى بفرار الحمار وهى من أجود قصص المجموعة لما فيها من عنصر إنسانى ، يؤكد على انه حتى الحمار لا يرضى أن يعيش مستعبدا معذبا .
                                                                    الدكتور / عبد الحميد القط    

بمناسبة الإنتخابات فى مصر

بمناسبة الإنتخابات فى مصر أود أن تقرؤوا هذه القصة وتعلقوا عليها وهى أول قصة بالمجموعة القصصية التى بعنوان  ( سيسقط البيت ) أظن أن تلك الإنتخابات لم تتغير ولن تتغير طالما النظام هو نفس النظام وإليكم هذه القصة


نــــزيف داخـــــلي
بقلم / علي علي عوض
تمنى أن يفعلها ، على مدى أربع مرات متتالية فشل في تحقيقها ، دائما يوصدون الأبواب في وجهه ، هذه المرة عمل كل احتياطاته ، ارتدى أفخر ما عنده من ثياب بعد أن تناول فطورة بإسراف شديد على غير عادته ، لمع حذاءه الجديد ، غسل فمه بالفرشاة والمعجون ، حلق لحيته ورش عليها كولونيا أجنبية أتى بها من الخارج ، جمع كل أوراقه التي تؤكد شخصيته وحسن سير سلوكه ، وزيادة في الاطمئنان أخذ معه شهادة تؤكد أنه لم يصدر عليه أي أحكام من قبل ، كل همه الأن تحقيق هدفه قبل أن تأتيه المنية ، لقد تجاوز الستين بقليل ، يعتقد أنه مواطن صالح ، هب مندفعا نحو صناديق الاقتراع والقلق يساوره ، دائما  يتخذون المدارس مقرا أمينا لهذا الغرض . كان يقبض على بطاقته الانتخابية بكل عزة وشمم ، الطرق المزروعة بالحفر والقاذورات لن تقلل عزيمته ، أسماء المرشحين من الحزب الوطني تحتل الجدران والشرفات والميادين ، عند مفترق الطرق المؤدي للمقر الانتخابي كانت هناك مئات من الجنود والضباط بحوزتهم أسلحتهم ورشاشاتهم . ظن أنه أخطا المكان ، زادت شكوكه عندما وجد المدرعات تتمركز في ساحة المدرسة ، أقصد المقر الانتخابي ، لولا أنه متيقن من المكان لأيقن أنه ثكنة عسكرية ، الأسطح القريبة من المقر تم احتلالها ، الناخبون محتشدون في انتظار فتح الباب الرئيسي ، أخذ يصارع حتى أصبح في مقدمة الطابور ، الناخبون سهلوا له الأمر باعتباره رجلاً مسناً ويبدو عليه  أنه رجل مهم أيضا ، أسعده هذا كثيرا لقد أكد له المسؤولين مرارا بأن الانتخابات ستكون نزيهة وشفافة ، أيضا سيشرف عليها قضاة . قطعا سيفتحون له باب المقر حتى يدلي بصوته .
-         انه يعتقد أنه مواطن صالح ، يدفع الضرائب و نظافة المدينة و .......و...........و........... يحب بلده وجيرانه ويتمنى لرئيس الدولة دوام الصحة والعافية هو وكل المسؤولين ، يرفض الجلوس على المقاهي ولا يدخن المخدرات والبانجو ، متحيز للفنانين والفنانات والراقصين والراقصات الأحياء منهم والأموات . لايعترض الأفلام الساقطة أو غلاء الأسعار ، أو تلوث مياه الشرب أو هرمنة المحصولات أو استخدام المواد المسرطنة ، لا يجد غضاضة في أن يقف أمام الفرن بالساعات ليحصل على عدة أرغفة من الخبز ، عندما غرقت السفينة في البحر الأحمر ومات ابنه المهندس سامي لم يشتك أو يتبرم ، لم يسمعوا له صوتا عندما تم القبض عليه لتشابه الأسماء طبعا . كل هدفه الإدلاء بصوته في الانتخابات قبل أن يموت ....... انه يتمتع بكل حقوق المواطنه ويعتقد أنه حر .
مضى عليه ساعة في انتظار أن يسمحوا له بالدخول إلى المقر الإنتخابي ثم ساعتين وثلاثة و ..... أحس أن قدميه تكاد تخونه ويسقط من فوره . كان كبير الضباط يبعث دخان سيجارته بتلذذ . سأله بصوت جهور .
-         هتنتخب مين يا ...........
-         كان يفصله عنه سياج حديدي .
-         خدامك صابر وسانتخب كل رجل شريف يخدم بلده و........
-         في التو كشر كبير الضباط عن أنيابة ، لم يفهم سببا لتحوله ، لقد قضى وقتا طويلا هو وأولاده بعيدا عن بلاده . ظن أن كلماته أساءت إلى كبير الضباط بغير قصد . بعد تفكير أيقن أن الكلمات أصبحت تحمل معاني أخرى غير التي تعلمها من قبل ،لم يشغله هذا الأمر كثيرا ، كل ما يهمه هو الإدلاء بصوته حتى يؤكد لنفسه أنه مواطن صالح ، اعتقد أنها مجرد عملية وقت لتطبيق النظام ، تساءل عن بقية اللجان الأخرى. أكدوا له أن الأمور متشابهة تماما وأن الوضع في المقرات الأخرى لا يختلف كثيرا باستثناء بعض اللجان ، كانت مفتوحة على مصاراعيها حساب لكل من يحمل بطاقة حمراء ، قانية اللون ، براقة ، السدود والحواجز تختفي من أمامها ، الرقاب تنحني أمامها ، الشمس تصب غضبها فوق رأسه الخالية من الشعر ، انتصف النهار ، الجوع والعطش يهاجمانه ، الضجيج والصخب يخترق أذنيه ، الجنود المتنمرة تلف الناخبين بنظرات فاحصة ثابتة ، عيون حادة مصوبة نحو رؤوسهم ، نفذت داخلها ، يبدو أنها كشفت ما يدور بها ، ضاع أمل عم صابر بعد أن ناجاه كبير الضباط قائلا
-         انتم واقفين ليه ..... مفيش انتخابات ....... انتم فاهمين غلط و........
-          تعالت الصيحات والهتافات المعادية ، على الفور صب الجنود عليهم غضبهم من قنابل مسيلة للدموع ، هراواتهم وأسلحتهم ، اندفع الناخبون بفوضى في كل مكان ، ساد الهرج والمرج ، لم يصدق العم صابر ما يجري أمام عينيه ، لقد تغير كل شيء في البلاد عما قبل دون أن يشعر ، أصابته هراوة طائشة في رأسه ، سقط صريعا على الارض ، داسته الاقدام الفارة المذعورة ، رأسه الصلدة لم تصب بأي جروح ظاهرة ، انها عنيدة ، قبضوا على كل من حاول إنقاذه . كان فاقدا الوعي ، عيناه تبرقان تجاه المقر الانتخابي ، لسانه ممدودا خارج فمه ، كان مازال يقبض على بطاقته الانتخابية الناصعة البياض ، لم تكن حمراء قانية ، لفظ أنفاسه الاخيرة ، كان قد أصابه نزيف داخلي