الخميس، 28 أبريل 2011

تعريف بالأديب / على على عوض

صدر للمؤلف:
المسافات المفقوده                 مجموعة قصصيه
محاكمة كلب                     مسرحيه
ثمن الحريه                     مسرحيه للأطفال
الخديعة                         مسرحية للأطفال
الوطن الحبيب                 مسرحية للأطفال
الغول                          مسرحيه
الحمار يعرف كل شيء        مجموعة قصصية
سيسقط البيت                مجموعة قصصية
القلب المسروق              روايه
مذكرات ديك                 رواية للأطفال

تحت الطبع
الغائب                         روايه
دموع التماسيح            رواية للأطفال
عملية إجهاض              مسرحية
للدخان رائحة أخرى       مجموعة قصصية
الجسر                    مسرحية
العصمة فى يدها              رواية
-        عضو إتحاد كتاب مصر
-        نائب رئيس إتحاد فرع الدقهلية ودمياط
-        عضو نادى القصة
-        نائب رئيس أتيليه المنصورة
-        تليفون 2220509 /050   -   محمول : 0121531511
-        العنوان : جمهورية مصر العربية -    المدينة : المنصورة
-        صندوق البريد :  964 – الرمز البريدى : 35521
-      البريد الإلكترونى  :    aliawad1947 @yahoo.com
-        العنوان بالتفصيل : جمهورية مصر العربية – محافظة الدقهلية – سندوب قسم أول المنصورة – شارع داير الناحية – منزل رقم 2 بجوار مسجد القبابى
-        المؤلف : على على على عوض
-        الفيس بوك  الإنجليزى  : au.aliawad.gmail .com
-        الفيس بوك العربى :        aliawad1947@yahoo.com
-        عنوان المدونة :     http://www.au-aliawad.blogspot.com/

بالإضافة إلى الدراسات المحتلفة سواء من الدكتور / ابراهيم عوض أو الدكتور مدحت الجيار أو الدكتور عبد الحميد القط أو الأستاذ صبرى قنديل أو الدكتور محمود اسماعيل وغيرهم .

كل أعمالى الأدبية تدعوا إلى الإصلاح بأسلوب رمزى وتهدف إلى الحرية وإعادة حقوق الإنسان العربى وكرامته .



الثلاثاء، 25 يناير 2011

قصة قصيرة بعنوان( البيت الكبير )

" بعد أن عرف الحمار كل شىء هل أدرك أن البيت الكبير أصابه الخراب والدمار ! هل سنظل خانعين مستسلمين دون أمل أو هدف ! أم مازال الحلم يداعب جفون الأجيال القادمة . سنعرف ذلك من قصة البيت الكبير "

قصة قصيرة بعنوان البيت الكبير
بقلم الأديب / على على عوض

هبت مفزوعة من ثباتها على دوى طلقات نارية وصرخات استغاثة آتية من التلفاز ، تداخلت مع ضحكات ابنها المتوحشة .كان منهمكا فى متابعة المسلسل الأجنبي ، مدت الأم عيناها المنتفختين نحوه باستنكار ، تلبدت بمخيلتها أفكار سوداء ،تمخضت عن بعثرة نظرات فاحصة حولها بفوضى . كان النوم ما زال يداعب جفونها ، بلهفة شدت أرجلها بحثا عن حفيدها ، دائما يلازمها كظلها رغم تحذيرات والده ، بخطوات ميته تأرجح جسمها النحيل على غير هدى ، تسارعت  نبضات قلبها الواهن ، ظهرها المنحنى يعوق تقدمها ، تجاعيد طاعته استولت على وجها المنكمش داخل نفسه ، تاهت بين طوابير حجرات البيت المطلة على الصالة الممتدة ، أخذت عيناها تفتش فى كل شيء حولها ، أوقفتها صورة ابنتها الذابلة المثبتة فى صدر الصالة . كانت قد هجرت البيت منذ زمن بعيد كما هجره الآخرون ، لم يبق منهم غير ابنها الأكبر عشماوى ، تطلعت نحو صورة ابنتها بشرود ، لفت انتباهها أن الفئران أكلت أجزاء كثيرة من رأسها ، تحسستها بحنان ، فجأة اندفع من خلفها فأر ضخم الجثة ، خيل إليها أنه قط يرتدى ثوب فأر . كانت تلك الفئران الخائنة تأت من بيوت الغرباء ، تابعت هروبه بقلق واضح ، اختفى بين الحجرات ، ظنت أنه اقتحم حرمات حجرة ابنها صابر المغلقة على نفسها منذ زمن بعيد ، تفحصت واجهة بابها ، بادرتها الشكوك والظنون عندما اكتشفت تآكل جزء كبير منه مختفى عن العيون ، بعصبية أخرجت من جيبها جيش جرار من مفاتيح حجرات بيتها الكبير ، بيد مرتعشة فتحت باب الحجرة . كان الضوء شحيحا بها ، تذكرت أن قدميها لم تطأها منذ أن قادوه هناك ، فاجأتها تماثيل لأفراد عائلتها كادت تمحى من ذاكرتها . كان قد نحتها بنفسه لأفراد عائلته جميعا ، جذبها تمثال ابنها الأكبر عشماوى ، تآكلت بعض أجزاء من صدره، عيناه تدور بتنمر ، كان عاريا من ملابسه ، أشاحت بوجهها بعيدا عنه فسقطت نظراتها فوق جدار جانبى ، كان منقوشا عليه تاريخ عائلته ، مرصع بزخارف هندسية بارعة ، صور أخرى متراصة على الجدار المقابل له تفضح ما خفى عن الأعين ، أفنى فيها سنوات طويلة  قبل أن يسوقوه هناك ، أصوات المارة بالخارج ألحت عليها لفتح نافذتها المغلقة منذ زمن بعيد ، زكمها رائحة عفنه آتيه من بيوت الغرباء التى تحاصر بيتها ، دائما يلقون بقمامتهم  وقاذوراتهم فى وجهه ، تسللت بقع من ضوء الشمس داخل الحجرة استقرت فوق مكتبته ، فضحت جيوش التراب المعتدية التى احتلت جسدها فى غفلة من الزمن ، جالت بعينيها بين كتب المكتبة . كانت الفئران الخبيثة التهمت كثيرا من صفحاتها ، اشتعلت كراهيتها لتلك الفئران . لم تظهر إلا بعد أن استعمر الغرباء كثيرا من بيوت الحى التى أصبحت تحاصر بيتها, بهستريا أخذت تطرق طرقات متتالية فوق جسد المكتبة الصريع طمعا فى بث الرعب فى قلوبهم ، تصبب جسمها الهزيل بالعرق  ، توقفت عن طرقاتها بعد ما أحست أنهم غير عابئين بها ، مدت بنظراتها عبر النافذة، بيوت الغرباء متصدعة من الداخل ، انطلق الفأر الغريب فجأة من بين الكتب مباغتا الجدة ، تابعت فراره بعينين فاحصتين ، مرق من حجرة ابنها عشماوى ، فى الأيام الأخيرة أصبحت الفئران تختفى خلف التلفاز ، بغيظ قبضت على عصاه خشبية سميكة أعدتها لتلك الفئران المغيرة . كان ما زال ابنها يتابع المسلسل الأجنبي مع زوجته التى انضمت إليه أخيرا، رمقتها بنظرات ملوثة وهى تمر من أمامها ، دفعت الجدة عصاها بمهارة داخل جحر مظلم وعميق يختفى خلف التلفاز ، إنها تظن أنه جحر الفأر ، لم تخب ظنونها ، صرخ الفأر صرخة مكتومة ، ضاعت بين صرخات التلفاز وقهقهات ابنها عشماوى ، أدركت بفطرتها أن الجحر يؤدى إلى حديقة البيت خارجا ، هزت رأسها باستنكار ، غادرت الحجرة فى صمت ، سددت إليها الزوجة نظرة حادة من الخلف ، كانت من الغرباء الذين استوطنوا البلدة ، طوت الجدة أفكارها وهى تمر من الباب الكبير المؤدى إلى حديقة البيت . الفئران ترعى فى أرجائها، أصبحت شجيراتها هرمه ، كادت تتصلب شرايينها ، تهاوت أعشاش الحمام والأرانب ، أصبحت مطمعا للغرباء ،أخذت الجدة تتطلع بعيون ثكلى على أطلال حياة فائته ،ذاكرتها متخمة بأشجار الكمثرى والبرتقال وصغار أرانب تلهوا بثقة واطمئنان .كانت الشمس تتهيأ للرحيل ، قطة مباغتة تستعد لاقتحام بيوت الأرانب المنهارة . كانت القطط اتخذت الفئران صديقة لها ، هربت القطة المعتدية بمجرد أن وقع نظرها على الطفل الصغير . كان يقبض على حجر صغير فى حالة تأهب
احتضنته الجدة بعنين متلهفتين ، نسيت أنها كانت تبحث عنه . كان يلازمها عندما تطعم طيورها ، تحكى له حكايات قديمه عن العداء المستحكم بين القطط والفئران والبيت الكبير وأشياء أخرى، فشلت كل محاولات أمه لنزعه عنها ، كانت تراقبه بوجهها العابث من خلف نافذة حجرتها الضيقة المطلة على الحديقة ، أخذت الجدة تعيد ترتيب قميصه وبنطاله من جديد ، صرخت الأم مهددة
-كفاية يا خالد ... أنت وسخت نفسك و..........
أخذت ترغى وتزيد بكلمات حادة ، وضع زوجها عشماوى يده على فمها لمنع تطاير شظايا كلماتها الجارحة ، سقطت تحت أرجل الجدة. كان خالد يتطلع لأمه بنظرات حارقه ، صكت نافذتها بدوى هائل ، عاود زوجها استمتاعه بالمسلسل الأجنبي ، تعالت ضحكات طفلها فجأة حينما قفزت الأرنبة السمراء ملتقطة عوداً من الخس معلقاً فى فرع شجرة دان منها ، كانت دائما تخفى صغارها بعيدا عن القطط والفئران بعد أن تآزرا معا واتفقا عليهم ، لقد أقسم ابنها صابر بأن يقضى عليهم جميعا قبل رحيله القهرى . ما زالت تلك الليلة السوداء محفورة بذاكرتها
اقتحموا حرمة البيت فى الظلام . كمموا فاه . سحبوه بعيدا عن العيون
عندما صرخت فى وجوههم قال لها ابنها عشماوى وهو ينفث دخان سيجارته باستهتار
- ابنك مجنون ....
لم يعد إلى بيته منذ تلك الليلة . عزلوه عن الجميع حتى لا يسبب العدوى للآخرين ، انقطعت أخباره عنها تماما .
تداعى إلى أذنيها حفيف أقدام خلفها ، استدارت على الفور ، وقع بصرها فوق القطة . كانت تنحدر إلى سلالة الثعالب ، ليس لها لون واضح ، دائما تتحين الفرصة لالتهام صغار الأرانب الرضع التى لم تفتح عيونها على الحياة بعد ، كانت تختفى بين أوراق الأشجار المتسلقة فوق سور الحديقة .  أخذت الأرنبة السمراء تضرب برجليها فى الأرض احتجاجا وتحذيرا لصغارها ،تحفزت القطة الغادرة للهجوم ، قبضت الجدة على عصاها الخشبية فى حالة تأهب . كان حفيدها يتابعها بعينين حذرتين ، أصبحت القطة أكثر اقترابا من الأرنبة السمراء ، فى لحظات خاطفة  قفزت القطة فى الهواء بغتة ، باسطة مخالبها وأسنانها ، سال الدم من وجهها ، هربت الأرانب إلى جحورها دون أن تتمكن منهم القطة المعتدية ، قذفها خالد بحجر كان قد أعده لها، أخطأ رميته ، أصاب وجه نافذة حجرة أمه ، أحدثت دويا هائلا ، هربت القطة مذعورة قافزة فوق سور الحديقة الذى يفصل البيت الكبير عن بيوت الغرباء . كانت مخالب الأرنبة السمراء أصابتها فى وجهها ، تابع خالد هروبها بنظرات صارمة . كانت قسمات وجهه تتشابه مع قسمات وجه عمه صابر عندما يكون ثائرا ، اختفت القطة بين الأعشاب المتسلقة . كانت الأم تتطلع من خلف نافذتها  الضيقة باستنكار ، شفاهها مطبقة ، عيناها شاخصتان ، كان شظايا بقايا من الزجاج المتناثر أصاب وجهها . زوجها ما زال يتابع المسلسل الأجنبي . قفزت الأرنبة السمراء بشموخ نحو أولادها . كانت الجدة تحتضن حفيدها بعد أن استعادت قواها الضائعة ، رفعته عاليا فى الهواء بيدين ثابتتين ، أحست أنه يرفرف سماء البيت الكبير . فرغ الزوج من متابعة المسلسل الأجنبي.                                


الخميس، 30 ديسمبر 2010

مسرحية للأطفال بعنوان ( ثمن الحرية ) بقلم / على على عوض

مسرحية للأطفال بعنوان ( الوطن الحبيب ) بقلم على على عوض

مجموعة قصصية بعنوان ( المسافات المفقودة ) بقلم / على على عوض

مسرحية للأطفال بعنوان ( الخديعة ) بقلم / على على عوض

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

قصة قصيرة بعنوان ( الحمار يعرف كل شىء )

الحمار يعرف كل شىء

هذا العنوان يحمل إسم مجموعة قصصية للأديب / على على عوض
ولكن هل الحمار يعرف كل شئ حقا ! قد لايعرف أى شئ . ولكن من هو هذا الحمار
حقا ؟ قد أكون أنا أو أنت أو الحمار الذى نعرفه جميعا . حينما تقرأ هذه القصة قد
تكتشف الحمار الحقيقى . سأترك لكم حرية الإختيار لتكتشفوا بأنفسكم من هو الحمار الحقيقى . سنتواصل معا ولنتفق . أتمنى أن لا نختلف . وأنا فى انتظار آرائكم
.
بقلم / على على عوض

قصة قصيرة بعنوان

الحمار يعرف كل شئ

هب من فوق سريره منتفضا ، أطلق لأذنيه العنان لقتل توجسا ته وظنونه ، خيل إليه أنه يستجير به ، تسلل من فوق سريره بحرص بالغ وهو يتطلع لزوجته بأنفاس محبوسة  . كان نهيق حماره ما زال يتواصل لأذنيه من خلف نافذة حجرة نومه المطلة على الشارع الرئيسى ، وجهها مزروع بقضبان حديدية من الخارج ،يتدلى من منتصفها تقريبا حبل متين .كان حماره موثوقا به  ، يحاصر رقبته طوق جلدى ، موشى بأجراس نحاسية صفراء لامعة ،مسح على وجه حماره وهو يبرطم بكلمات متشابكة ، توقف عن نهيقه ، بوجه مقطب تطلع فى وجه السماء ، كادت الشمس تستيقظ من سباتها، كعادته دار حول عربة الكارو دورات متتالية فاحصة ، راعه ألواحها الخشبية المتنافرة . كانت قديمة متآكلة ، رافقته منذ زواجه المبكر ، بتلقائية قبض على مطرقته لكبح جماحها وإعادة مساميرها الصدأة إلى مكانها . كان يحتفظ بمطرقته وجوالات قديمة وأشياء أخرى داخل عشته المصنوعة من البوص والقش . ظل يكيل اللعنات والضربات لألواحه الخشبية العنيدة ، بين الحين والآخر يتطلع بحذر مشوب بالخوف تجاه نافذة حجرة نومه المغلقة .كان شخير زوجته يتصاعد من خلفها ، بيأس رمى بمطرقته يعيدا بعد أن فشلت كل محاولاته فى إصلاحها ، تدحرجت تحت أرجل حماره . على التو أدرك أن طعامه قد نفذ من المقطف القذر الملقى أمامه بإهمال شديد ، بكلمات متباعدة همس فى أذنى حماره
هجيب لك علف ..... وبطيخه تحلى بها كمان .....
كان يهيش بقايا الخضراوات والفاكهة من سوق الجملة بمهارة ، كل التجار بالسوق يعرفونه هو وحماره ، يرفع لهم دائما شعار طعام للحمار، ما يصلح للحمار فهوا للحمار وما يصلح له يحتفظ به داخل عشته ،بعد أن انتهى من دس العلف بمقطفة تفحص بطيخة منزوية فى ركن عشته ، انتابه بعض الشكوك والقلق تجاهها ، كسرها بطريقته ، تذوقها بحذر ، همس لحمارة وهو يتطلع تجاه نافذة حجرة نومة.
- البطيخ كان أيام زمان له طعم وحلاوة قبل ما أجوز تفيده .....
أشاح حماره بوجهه بعيدا عنه قبل أن ينتهى من كلماته . قال له بكلمات قاطعه.
- اسمع يا حمار .. ألف مرة قلت لك متدورش  وشك عنى لما أكون بكلمك ..
انفجرا الحمار فى نهيق هستيري ، على الفور أمسك الزوج بعصاه وانهال فوقه يوسعه ضربا وكلماته تتدافع فى تلاحق
- اسمعني ومتقاطعنيش و...
فجأة أطلت زوجته بوجهها العابث من نافذة حجرة نومها ، تصب لعناتها المتواصلة وكأنها تؤدى واجبها اليومى.
- الجنان اشتغل.. قلت لك ألف مرة تبيع الزفت الحمار ده وتجيب حصان .. زى حصان المعلم مسعد .. يمكن يرجع لك عقلك .. و ..
بانكسار أخفى وجهة بين أرجل حمارة،بعد أن أفرغت زوجته ما فى جوفها أغلقت نافذتها فى وجهه ، نهض بتخاذل يربت فوق ظهر حماره ، همس فى أذنيه بعد أن ألقى نظرة شاملة فوق نافذة حجرة نومه .
- حقك علىَّ يا حمار ... ما تزعلش من تفيده ... أنت عارفها كويس .... أول ما أجوزتها كانت قطة مغمضة  ..  مسعد بوظها علىَّ . كنت هجوز زينب  أبويا الله يرحمه قال لى بنت عمك .. استرها ربنا يسترك .. أنت عارف كل حاجه يا حمار ...
توقفت همساته لحماره عندما ارتطمت عيناه بفأر آت من بيت جاره وزميله مسعد ، أخذ يتسكع ويدور حوله مشرعا شواربه فى تحد ، تتوقف نظراته بين الحين والآخر فوق نافذة حجرة نومها ، راوغه ، غافلة متسللا إلى بيته ، اندفع خلفه بغيظ مكبوت فى محاولة لمنعه من انتهاك حرمات بيته ، تسوقه رغبة الانتقام والثأر منه ، أدهشه أنه يحفظ حجرات البيت ومآربه ، هاجمته أفكار عاصفة ، اختفى الفأر بين كراكيب قديمه تحت سريرها ، كانت زوجته تغط فى ثبات عميق ، ظل يترقب خصمه الفأر أملا فى مهاجمته بغته وتصفية حساب قديم ، خشى أن يتأخر على زبائنه القاصدين السوق الآن ، عاد بأدراجه منكس الرأس ليبدأ مشوار كل يوم . دائما يقطعه وحيدا باستثناء بعض الزبائن المشاكسين . إنهم لا يدفعون له إلا القليل هو وحماره ، فك قيده من نافذته بشرود  . كان المعلم مسعد قد انطلق بحصانه وعربته الكبيرة ذات الإطارات الضخمة ، ممسكا بلجام حصانه بذراعه العارى المفتول العضلات وشاربه الكث ، فاتحا أزرار قميصه فيطل من صدره شعر أسود غزير ، يثير الغبار حوله، نظراته الحادة تخترق نافذة حجرة نومه . كانت البيوت من حواليه غارقة فى صمتها الكئيب ، تحمل فوق ظهورها أعواد القش المتراكمة خلال أعوام فائته ، تطلع نحو نافذة حجرة نومه متلصصا ، تنامى إلى أذنيه كركرة سريره. كانت زوجته تتنصت عليه دائما من خلف النافذة دون أن يدرى،على التو تصب عليه لعنات الأرض والسماء بأنغامها المميزة ، فى الغالب تكون ليلة سوداء طويلة ، ُتْفتح فيها النوافذ وتمصمص الشفاة . كانت نهاية الاشتباك طرده من البيت حتى ولو كان فى أيام البرد القارص ، يقضى ليلته فى عشته مع حماره ، يظل يفند له آراء زوجته وتسفيهها بالإضافة إلى شرح الأسباب التى أدت إلى نشوب المعركة بينهما حتى ولو كان خاسرا بكل المقاييس . كانت فارعة الطول ، عضلاتها بارزة فى تحد ، أنيابها ناتئة بين شفتيها الغليظتين ، تدق الأرض بخطوات آلية ، بينما هو فى طريقه لملأ دلو الماء لحماره أصيبت قدمه بحجر. كانت الأرض من حواليه مزروعة بكراكيب أشياء قديمه وحجارة مختفية لا تظهر إلا أسنانها الحادة ، يعشعش فيها ذباب متوحش وتسرح داخلها سحالى وحشرات غير متآلفة مع بعضها ، بخطوات عرجاء وضع دلو الماء أمام حماره . كان يضرب برجليه فى الهواء على التوالى ، ظل يتابعه بدهشة واستنكار ، خشى أن يكون أصابه هوس فى عقله مثلما أصاب زوجته كما يعتقد ، أخذ يعيد ترتيب أفكاره من جديد. كانت الأجراس النحاسية المعلقة فى رقبته يتوالى قرعها بفوضى ، بعد الملاحظة والترقب اكتشف أخيرا أن ذبابة متوحشة تنبس بآثار جرح قديم فى مؤخرته العارية ، نبع الدم منه, على التو قبض على عصاه  ليسدد نحوها ضربة مباغته ، أخذت تراوغه ، تعاود طيرانها وانقضاضها ، تحلق بعيدا ، يلاحقها بخطواته العرجاء ، لم تعطه الفرصة للنيل منها ، أحس أنه عاجز تماما أمام خداعها ، بيأس همس فى أذنى حماره .
-  اشرب يا حمار بسرعة .....  خلينا نغور من قدامها هى وتفيده ....
قبل أن ينتهى من كلماته اكتشف شرذمة من الذباب الوحشى تتناوب على جرحه ناهلة من دمائه المراقة ، يتشابهون جميعا، لديهم قدرة فائقة فى الاختفاء ببراعة بين أكوام القمامة الملتفة حواليه ، بهستريا أخذ ينهق حماره محتجا ،فى غفلة  تزحزح تجاه الشارع الرئيسى ، تسارعت خطواته ، أفاق الزوج لنفسه مدركا هروب حماره . كان قد ترك العنان لأرجله ، أجراسه النحاسية تدوى بفزع ، أخذ يردد فى تلاحق وعيناه مثبتتان فوق حماره.
-       ... ماتهربش يا حمار ..... هقول لك حاجة مهمة......
انطلق خلفه بعرجته ، نمت سحب كثيفة من الغبار حوله ، حالت دون رؤيته بوضوح ، تباعدت المسافات بينهما ، نشطت توسلات الزوج لحماره ، عاد إليه رنين صوته . كان قد تجاوز مفترقا من الطرق ، بترنح أخذ يجر ساقاه النحيلتان مقتفيا آثاره على غير هدى ، يدور ويدور ، تلفه جبال الرهبة والخوف ، شريط طويل ممتد يدور بمخيلته ومتراجعا للوراء ، عيناه ترصد بحسرة كل ما يدور حوله . كان قد قطع هذا الطريق مرارا مع حماره الضائع ، كلمات محبوسة ماتت داخله ، تطلع نحو السماء . كانت مزروعة بضباب كثيف قاتم .

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

مذكرات ديك " للأديب على على عوض

صدر مؤخرا رواية للأطفال بعنوان " مذكرات ديك " للأديب على على عوض عن دار أوبرا للنشر وسنوافيكم قريبا بأماكن التوزيع داخل جمهورية مصر العربية وخارجها

قريبا ملخص الرواية

الأحد، 28 نوفمبر 2010

بمناسبة الانتخالات المصرية - قصة نزيف داخلى




بمناسبة الإنتخابات فى مصر أود أن تقرؤوا هذه القصة وتعلقوا عليها وهى أول قصة بالمجموعة القصصية التى بعنوان  ( سيسقط البيت ) أظن أن تلك الإنتخابات لم تتغير ولن تتغير طالما النظام هو نفس النظام وإليكم هذه القصة


نــــزيف داخـــــلي
بقلم / علي علي عوض
تمنى أن يفعلها ، على مدى أربع مرات متتالية فشل في تحقيقها ، دائما يوصدون الأبواب في وجهه ، هذه المرة عمل كل احتياطاته ، ارتدى أفخر ما عنده من ثياب بعد أن تناول فطورة بإسراف شديد على غير عادته ، لمع حذاءه الجديد ، غسل فمه بالفرشاة والمعجون ، حلق لحيته ورش عليها كولونيا أجنبية أتى بها من الخارج ، جمع كل أوراقه التي تؤكد شخصيته وحسن سير سلوكه ، وزيادة في الاطمئنان أخذ معه شهادة تؤكد أنه لم يصدر عليه أي أحكام من قبل ، كل همه الأن تحقيق هدفه قبل أن تأتيه المنية ، لقد تجاوز الستين بقليل ، يعتقد أنه مواطن صالح ، هب مندفعا نحو صناديق الاقتراع والقلق يساوره ، دائما  يتخذون المدارس مقرا أمينا لهذا الغرض . كان يقبض على بطاقته الانتخابية بكل عزة وشمم ، الطرق المزروعة بالحفر والقاذورات لن تقلل عزيمته ، أسماء المرشحين من الحزب الوطني تحتل الجدران والشرفات والميادين ، عند مفترق الطرق المؤدي للمقر الانتخابي كانت هناك مئات من الجنود والضباط بحوزتهم أسلحتهم ورشاشاتهم . ظن أنه أخطا المكان ، زادت شكوكه عندما وجد المدرعات تتمركز في ساحة المدرسة ، أقصد المقر الانتخابي ، لولا أنه متيقن من المكان لأيقن أنه ثكنة عسكرية ، الأسطح القريبة من المقر تم احتلالها ، الناخبون محتشدون في انتظار فتح الباب الرئيسي ، أخذ يصارع حتى أصبح في مقدمة الطابور ، الناخبون سهلوا له الأمر باعتباره رجلاً مسناً ويبدو عليه  أنه رجل مهم أيضا ، أسعده هذا كثيرا لقد أكد له المسؤولين مرارا بأن الانتخابات ستكون نزيهة وشفافة ، أيضا سيشرف عليها قضاة . قطعا سيفتحون له باب المقر حتى يدلي بصوته .
-         انه يعتقد أنه مواطن صالح ، يدفع الضرائب و نظافة المدينة و .......و...........و........... يحب بلده وجيرانه ويتمنى لرئيس الدولة دوام الصحة والعافية هو وكل المسؤولين ، يرفض الجلوس على المقاهي ولا يدخن المخدرات والبانجو ، متحيز للفنانين والفنانات والراقصين والراقصات الأحياء منهم والأموات . لايعترض الأفلام الساقطة أو غلاء الأسعار ، أو تلوث مياه الشرب أو هرمنة المحصولات أو استخدام المواد المسرطنة ، لا يجد غضاضة في أن يقف أمام الفرن بالساعات ليحصل على عدة أرغفة من الخبز ، عندما غرقت السفينة في البحر الأحمر ومات ابنه المهندس سامي لم يشتك أو يتبرم ، لم يسمعوا له صوتا عندما تم القبض عليه لتشابه الأسماء طبعا . كل هدفه الإدلاء بصوته في الانتخابات قبل أن يموت ....... انه يتمتع بكل حقوق المواطنه ويعتقد أنه حر .
مضى عليه ساعة في انتظار أن يسمحوا له بالدخول إلى المقر الإنتخابي ثم ساعتين وثلاثة و ..... أحس أن قدميه تكاد تخونه ويسقط من فوره . كان كبير الضباط يبعث دخان سيجارته بتلذذ . سأله بصوت جهور .
-         هتنتخب مين يا ...........
-         كان يفصله عنه سياج حديدي .
-         خدامك صابر وسانتخب كل رجل شريف يخدم بلده و........
-         في التو كشر كبير الضباط عن أنيابة ، لم يفهم سببا لتحوله ، لقد قضى وقتا طويلا هو وأولاده بعيدا عن بلاده . ظن أن كلماته أساءت إلى كبير الضباط بغير قصد . بعد تفكير أيقن أن الكلمات أصبحت تحمل معاني أخرى غير التي تعلمها من قبل ،لم يشغله هذا الأمر كثيرا ، كل ما يهمه هو الإدلاء بصوته حتى يؤكد لنفسه أنه مواطن صالح ، اعتقد أنها مجرد عملية وقت لتطبيق النظام ، تساءل عن بقية اللجان الأخرى. أكدوا له أن الأمور متشابهة تماما وأن الوضع في المقرات الأخرى لا يختلف كثيرا باستثناء بعض اللجان ، كانت مفتوحة على مصاراعيها حساب لكل من يحمل بطاقة حمراء ، قانية اللون ، براقة ، السدود والحواجز تختفي من أمامها ، الرقاب تنحني أمامها ، الشمس تصب غضبها فوق رأسه الخالية من الشعر ، انتصف النهار ، الجوع والعطش يهاجمانه ، الضجيج والصخب يخترق أذنيه ، الجنود المتنمرة تلف الناخبين بنظرات فاحصة ثابتة ، عيون حادة مصوبة نحو رؤوسهم ، نفذت داخلها ، يبدو أنها كشفت ما يدور بها ، ضاع أمل عم صابر بعد أن ناجاه كبير الضباط قائلا
-         انتم واقفين ليه ..... مفيش انتخابات ....... انتم فاهمين غلط و........
-          تعالت الصيحات والهتافات المعادية ، على الفور صب الجنود عليهم غضبهم من قنابل مسيلة للدموع ، هراواتهم وأسلحتهم ، اندفع الناخبون بفوضى في كل مكان ، ساد الهرج والمرج ، لم يصدق العم صابر ما يجري أمام عينيه ، لقد تغير كل شيء في البلاد عما قبل دون أن يشعر ، أصابته هراوة طائشة في رأسه ، سقط صريعا على الارض ، داسته الاقدام الفارة المذعورة ، رأسه الصلدة لم تصب بأي جروح ظاهرة ، انها عنيدة ، قبضوا على كل من حاول إنقاذه . كان فاقدا الوعي ، عيناه تبرقان تجاه المقر الانتخابي ، لسانه ممدودا خارج فمه ، كان مازال يقبض على بطاقته الانتخابية الناصعة البياض ، لم تكن حمراء قانية ، لفظ أنفاسه الاخيرة ، كان قد أصابه نزيف داخلي  .

الأحد، 14 نوفمبر 2010

رقصــــات الجـــنون - من مجموعة المسافات المفقودة




رقصــــات الجـــنون

يتقدم الموكب مشرئبا ، الأطفال الحفاة يتدفقون من بين أزقة القرية عابرين الأكوام الموحلة ، الغبار يتطاير فوق جبين الموكب ، سيل من الرقصات يجرفهم بطوفان الفوضى ، الخفير "سيد الوحش" حاملا بندقيته القديمة لدواعي الأمن والنظام ، يتحسسها من وقت لآخر وابتسامة عريضة تتلوى فوق شفتيه فتظهر أسنانه المتآكلة ، عيون جوعى تتطلع للأسطح المتراصة بالعذراوات . الأشجار العارية المتساقطة الأوراق تحيط بالقرية من كل جانب ، الكهرباء أنارتها قريبا ، ضوؤها خافت مرتعش ، العروس يخفي رأسه خلف الخفير " سيد الوحش " ، وصل الموكب أخيرا إلى نهاية المطاف أمام ساحة "كدابين الزفة " كما يطلق عليها أهل القرية . كانت "عزيزة " بنت عم "محمدين" تطل من فوق سطح دارها المقابل للساحة ، خصلات شعرها المتناثرة تكاد تخفي معالم وجهها ، تتطلع إلى الشمس وهى تسقط من سمائها مختفية خلف جذوع الأشجار البعيدة ، أدارت رقبتها بصعوبة فضاعت نظراتها الثكلى بقلب دائرة الموكب المتوثبة . كانت عيونه تنهش سطح دارها في الخفاء ، أخفت وجهها بين كفيها ، لاحقتها العيون الفاضحة ، نجحت في اكتـشاف ما تخفيه عن الآخرين ، تساقطت حبات عرقها في حلقها الجاف . كان طعمه لاذعا . قالت لها أختها الصغيرة وعينيها مثبتة على صدر الموكب .
ـ عايزة أروح الفرح .
أجابتها بصوت خافت متقطع .
ـ هتموتي تحت الرجلين .
فزعت الصغيرة من طلقات نارية طائشة انطلقت من فوهة بندقية الخفير " سيد الوحش " فجأة ، هرولت في هلع نحو أختها " عزيزة " تستجير بها ، احتوتها بين أحضانها وهى شاردة الفكر ، زعق والد العروس بصوت جهوري .
ـ الجــوزة ياواد يا شـحاتة .
الموكب دائرة كبيرة منبعجة في إحدى نقاطها المواجهة لبيت " عزيزة " ، تعالت الصيحات بعد صعود الراقصة على " المسرح " . كانت دعائمه مصنوعة من أرائك الجيران ، من محيط الدائرة البشرية الملتوية امتدت أيادي كثيرة ملوحة للراقصة ، تصاعدت معها الهتافات بعد اندلاع الرقصات المحمومة ، أيضا تسابقت فوق رؤوسها أجنحة دخان كثيفة ، في التو خرست الرقصات بعد صعود والد العروس على "المسرح"  ، لفته نظرات مترقبة ، أخرج من جيبه أوراقا مالية كثيرة ، أبرقت عيون الموكب .
ـ ســلام يا جــدع ... أكبر سلام للعمدة ... عم العريس ... وسلام مربع لشيخ الخفر أبو العروســة .... ودقي يا مزيكــا .
دس والد العروس الأوراق المالية في صدر الراقصة ، اضطرمت الصيحات ، نهض الخفير " سيد الوحش " صاعدا على "المسرح "، تراقص رقصات هزلية وهو يرفع بندقيته عاليا في الهواء . كان راقصا بارعا ، نافس شيخ الخفراء والعمدة في رقصاتهم ، تشابكت يداه بيد الراقصة ، اشتعلت الصيحات ، تسللت بندقيته من بين راحتيه فسقطت تحت قدمىْ الراقصة ، فاضت الدائرة البشرية بنشوى الفرح ، تمايلت على نغمات "الموسيقى " الصاخبة . كانت تهز قلوب العذارى وتذيع ما بداخلهن من أحلام وهن يتربعن على أسطح البيوت المطلة على الساحة ، انسحبت الأضواء فجأة من عيون الدائرة المفتوحة على مصراعيها ، علت فوق جبينها الاستغاثات . قالت الصغيرة لأختها بكلمات مذعورة .
ـ أني بخاف من الضلمة .
أصابت كلماتها قلبها النازف ، احتضنتها فى صمت ، تساقطت قطرات ساخنة من مقلتيها ، ابتلعتها دوامات أفكارها الحادة ، مزقت ملابسها بين أسنانها الناهشة ، غاصت بين شطآن قهرها ، هربت الصغيرة من بين أحضانها ، تتعثر في خطواتها ، أفزعتها الدائرة البشرية الغارقة في ظلامها ، انكمشت داخل نفسها ، أشاحت بوجهها فسقطت نظراتها فوق مئذنة بعيدة ، ينبعث من رأسها الشاهقة ضوء خافت ، اشتعلت الأضواء من جديد بقلب الدائرة البشرية ، تقابلت عينا " عزيزة " بعينىْ  "العريس" ، بفوضى هرب من نظراتها المسمومة فسقطت فوق والده المشغول بإصلاح "الجوزة "، بلذة شدّ منها نفسا عميقا ، توهجت الجمرات فوق رأسها ، أخذت " عزيزة " تلاحقه بنظراتها المذبوحة ، سرعان ما ضاعت بين العيون النهمة ، دون أن تدري جرفتها موجة من موجات " الموسيقى " الصاخبة ، أخذت ترقص بمجون جارف ، كادت تهوي في قلب الدائرة البشرية ، الصغيرة تراقبها بعينين فزعتين ، همسات فاضحة تسري داخل الدائرة ، تنشب أظافرها في قلبها الجريح ، تسقط ثم تنهض بصعوبة ، رقصاتها المحمومة لا تتوقف ، تعرت من ملابسها دون أن تدري ، بأنفاس لاهثة مدت ببصرها إلى الفراغ الذي يحتويها . كانت خيوط سوداء قاتمة محفورة في وجـه الســماء .
     

القــــطــار - من مجموعة مسافات مفقودة



القــــطــار

جسمه أملس ناعم ، عيناه واسعتان تكشف مخاطر الطريق في الظلام ،لغات و أصوات  مبهمة تهب من جوفه ، أفرغ من رأسه صفارات مزعجة في أذن الهواء ، أرجله لا تكف عن الدوران . أشعة الشمس تبسط نفوذها فوق رأسه ، دائما ماض في نهب طريقه ، كتلة لحم  انصهرت في بوتقته ، أرجله الثقيلة تختلس خطوات وئيدة على شريطه الصلب الممتد عبر الأبصار ، أحدهم يجري خلفه محاولا اللحاق به، سقط على الأرض ، نهض ثم جرى وجرى ، قفز في الهواء متعلقا بأحد أبوابه بينما آخرون يشيعون جنازته في صمت بعد أن أدركوا أنه قد فاتهم 0 كان الصراع والخلاف دائما على مقعد خال يغتنمه أحدهم قبل منافسه . نظرت الأم بأنفاس مكتومة تجاه الشبح المعلق بالخارج . كان هناك آخرون يمتطون ظهره ، احتضنت طفلها بحرارة ، المحصل يشق طريقه بصعوبة بين أجساد المسافرين ، ثمة متسول يصيح بكلمات يحفظها عن ظهر قلب مرتديا ملابس غيرت من شكله .
ـ لله يا محسنين لله .
امتلأ جيبه ولكن صيحاته ما زالت تتوالى ، قهقهات تنبعث من ركاب الدرجة الأولى ، كانت هناك فتاة فائرة لولبية تطقطق بين أسنانها قطعة من " اللبان" ، وجدت ما كانت تبحث عنه ، همس الشاب في أذنيها ، القطار ماض في شق طريقه بين القرى الباهتة ، بيوتها متصدعة ، أعواد القش تملأ سطوحها ، التراب يغطي وجهها ، الأطفال تسبح في أكوام الروث ، البيوت متداخلة متلاصقة  مع بعضها البعض بينما عمارات شاهقة تنفرد في أحد الأماكن الأخرى ، البائعون داخل القطار لا يكفون عن الصراخ ولكن المعلم "كموشة " أكثرهم تميزا يمسك قطعة من الحديد يدق بها طرقات متتالية على دلوه الذي يحمله على كتـفه .
ـ كوكاكولا . مثلجة . روق دمك ....
يدفع الركاب بكرشه المنتفخ ، يفتل شاربه المعقوص بين الحين والآخر . رصدت الأم المطواة البارزة من بين ملابسه ، أشاحت بوجهها عنه ، ضمت طفلها إلى صدرها الذي راح في النعاس ، عجلات القطار تدور بسرعة ، تذكرت الشبح المعلق على الباب ، سألت عنه ، الأفواه مغلقة ، الوجوه مكسوة بظلال شاحبة ، صرخ أحد المسافرين .
ـ فلوسـي ..... فلوســي ....
لم يسمع غير صدى صوته ، الأم تخبئ طفلها بين ذراعيها ، حرارة الجو تـلفح وجوه المسافرين ، رائحة العرق تملأ أنوفهم ، زفرات حارة تنبعث منهم ، نظرت الأم خارج النافذة ، الوحل يسد الطرق الكثيرة الضيقة ، أعواد الذرة غارقة  في حقولها ، الدواب هزيلة متناثرة ، تترنح بخطوات ميتة ، المعلم " كموشة " يغادر الدرجة الثالثة متجها إلى ركاب الدرجة الأولى ، المسافرون يفسحون له الطريق ، الأم ترمى بنظراتها عبر نافذة القطار ، إلتقت عيناها بمبنى ضخم منعزل تتطلع من خلف نوافذه أشباح صفراء ، تنسكب من عيونهم نظرات ميتة ، كانت هناك لافتة مكتوب عليها .
ـ السجن العمومي .
اشتعلت في رأسها الأفكار ، ضمت طفلها إلى صدرها ، مسحت على رأسه ، فرت قطرات ساخنة من عينيها، بللت وجه طفلها ، قبلته بحنان ، صيحات تنبعث من ركاب الدرجة الأولى ، يدخنون بلذة و شراهة ، يتطلعون من خلف ستائر نوافذهم ، الفتاة اللولبية تنادي على المعلم "كموشة" :
ـ كوكاكولا .
أجابها بصوت هادئ متكلف :
ـ اتفضلي .
كانت تجلس متلامسة مع رجل اقتنصته أخيرا بعد أن انصرف الشاب الأول ، القطار يجري بخطوات متلاحقة ، أخلدت الأم إلى النوم ، أحد البائعين ينادي :
ـ سجائر ، حلويات .
جذبت انتباه الطفل قطع الحلوى ، سال لعابه ، تسلل من بين ذراعىْ أمه ، عاد المعلم "كموشة " إلى الدرجة الثالثة ، لا يكف عن السباب واللعان ، بدأ القطار يهدئ من سرعته ، استيقظت الأم على صوت أحد الحمالين .
ـ شيال ... شيال .
أخذت تـفرك عينيها ، رأسها يدور . توقفت عجلات القطار ، أخذت الأم تثرثر مع طفلها ، خرست قبل أن تنتهي من كلماتها الأخيرة ، حملقت في الطفل ، تفرست الوجوه ، همست في ضعف قائلة .
ـ ده مش "مرزوق" ؟
دارت بها الأرض دورات سريعة متلاحقة ، اهتزت الرؤية أمامها ، احتبست صرخات داخلها ، المسافرون أشباح تتراقص بعنفوان ، تتعثر فى خطواتها ، رمت بحقيبتها وسط زحام المسافرين ، دوامات حمراء تنمو فتغرق فيها ، أمسكت سكينا كانت قد وجدته في يدها ، قفزت بسرعة تطعن أشباح المسافرين بسكينها الحاد ، الأشباح تقهقه قهقهات عالية ، سقطت على الأرض ، خر السكين من بين يديها ، تفحصته فجأة ، لم يكن سكينا بل كان بقايا رغيف خبز يقتات منه الطفل .


القلب المسروق

رواية


إهداء


”إلى كل من يحمل قلبا مفعما بالحب والتغيير الخلاق المثمر على أرض واقعنا الذليل"



القلب المسروق (1)

موكب الرئيس يخترق شوارع المدينة . حرسه يحيطه من كل جانب ، عشرات السيارات أمامه ومن خلفه لتأمين حياته ، الرئيس يختار حرسه وأمنه بعناية فائقة ، ينفق عليهم ببزخ ، الطريق كلها مغلقة على بعد بضعة كيلو مترات لحساب موكب الرئيس" مهووس " ، الحياة متوقفة فى قلب مدينة الأحلام عاصمة دولة منغوليا الوسطى حتى يمر الرئيس بعون الله وسلامته الى القصر المنغولى . نائبه السيد " زعزوع " يرافقه فى نفس السيارة . لم تكن مثل السيارات الآخرى . إنها سيارة مصفحة ، لايستطيع المعارضون أو المعوقين النيل منها ، ربما سيلقى الرئيس خطابا فى شعب دولة منغوليا الوسطى من قصره أو سيكون فى إستقبال مسئول مهم من دولة شرشوحة العظمى أو دولة كوهين الشيطانية ، إقترب الموكب بثقة وكبرياء من ميدان الحرية .كان يضم تماثيل زعماء منغوليين سابقين لدولة منغوليا الكبرى ومؤسسها السيد " منغول  الأكبر " . تفتت تلك الدولة على مدى العصور السابقة الى دويلات صغيرة ، أبرزها دولة منغوليا الوسطى . ربما أطلقوا عليها هذا الإسم لأنها تتوسط كل الدول المنغولية بما فيهم منغوليا الشمالية ومنغوليا الجنوبية والشرقية والغربية . الدولة المنغولية الكبرى هذه كانت من قبل يطلقون عليها أيام الأجداد الدولة الفردوسية الكبرى ، بمرور الزمن تحول شعبها من فردوسى الى منغولى . بعض الشعوب فى مختلف الدول المنغولية بما فيهم دولة منغوليا الوسطى لم يتحول الى منغولى وظل محتفظا بهويته الفردوسية . توقف موكب الرئيس " مهووس " فى قلب الميدان . هبط من سيارته الفارهة متجها نحو تمثال السيد منغول محييا ومعظما ، طقوس تعود عليها الرئيس " مهووس " وربما الرؤساء المنغوليين السابقين ، يعتقد أنه يستمد منهم العزيمة والإصرار وربما الإلهام والقوة . كثيرا من جماهير شعب منغوليا الذين أجبروا على الوقوف ومتابعة الموكب يتطلعون بضيق وإستنكار . الرئيس " مهووس " يتوقف أمام قدمى تمثال السيد منغول الأكبر ، أحنى رأسه بايماءة خفيفة . نائبه السيد " زعزوع " يقلد بطريقة آلية ، بطنه ممتدة الى الأمام ، وجهه شمعى خال من أى تعبيرات ، لاتعرف مايدور بداخله ، يخفيها عن الآخرين بضحكات بلهاء ، دائما ينفذ تعليمات الرئيس " مهووس " دون تفكير ، لم يختلف معه يوما من الأيام ، على الأقل يبدى ذلك . هبت رياح عاصفة محملة بالأتربة والرمال فجأة ، دائما تهب عليها تلك العواصف دون سابق إنذار . طقس دولة منغوليا الوسطى متذبذب ، ربما كل الدول المنغولية لايثبت على حال واحد ، أحيانا تأتى الفصول الأربعة فى يوم واحد ، شعبها هو الآخر تأثر بذلك المناخ الغريب المتقلب والمتذبذب دائما . تغير وجه السماء ، أصبح يغلب عليه اللون الأحمر القانى والأسود القاتم . تلك العواصف لم يكن لها موسم أو وقت محدد ، قد تهب فى فصل الربيع الذى فقد خواصه وظواهره مثل بقية الفصول ، لقد تغير طقس منغوليا الوسطى وكل الدول المنغولية التى تلاصقها بما فيهم دولة كوهين الشيطانية المغتصبة لأراضى منغولية . أيضا أصبحت الزلازل والبراكين تصيبها بين الحين والآخر . كان أفظعها وأكثرها تدميرا ودموية البركان الذى أصاب دولة منغوليا الوسطى فى عهد الرئيس الراحل . أسفر عن تلوث بيئتهم بما فيه النهر الكبير . لقد أصبح مشوها كالأطفال المنغوليين بعد أن تعرضوا للعنف والقهر الذين أطلقوا عليهم هذا الإسم مؤخرا ، إزداد تشوههم بعد أن تم حشو رؤسهم بأفكار غريبة ملوثة مستوردة ، لم تستطع عقولهم التأقلم معها ، نمت هذه الأطفال المشوهة بإضطراب وفوضى ، أصبحوا فتيانا وشبابا ، تزوجوا وتكاثروا بشكل وبائى . كانت تغلب عليهم جميعا الصفات المنغولية ، سرعان ما تحول غالبية المجتمع بمرور السنون الى شعب منغولى ، لم ينجو منه إلا الرافضون لهذه الأفكار المتوحشة وتمسكهم بقيمهم وعاداتهم الفردوسية ، أيضا كانوا حريصين على التزاوج من بعضهم فنتجت أسر صحيحة نجت من كل هذه التشوهات . كان الغبار يحجب الرؤيا عن العيون فى ميدان الحرية بمدينة الأحلام بأسرها من جراء تلك العاصفة الخائنة ، تقدم نحو الرئيس " مهووس " مجموعة من القناصين يحملون أسلحتهم المخادعة عندما كان يحنى رأسه أمام تمثال السيد منغول الأكبر ، ظن حرسه أنهم اتو لتحيته وربما كان معدا ذلك من قبل الأمن ، لم يدر بخلد الرئيس أن أسلحتهم متخمة بالذخيرة الحية ، مجرد التفكير فى قتله أمر غير وارد بمخيلة الرئيس " مهووس " ، تقدموا نحوه بجرأة وشجاعة ، تقابلت عينيه بعيني القناص " إسلام الكاشف " ، دوت طلقات نارية مباغتة ، حدث هرج ومرج بميدان الحرية ، ظن الكثيرون أن العاصفة قد حطمت تماثيل الرؤساء ، بعدما تصاعد إطلاق النار فى اكثر من جهة بالميدان أيقن حرسه أنها مؤامرة لإغتيال الرئيس " مهووس " ، أخذت الأرجل المذعورة تروح وتجيء على غير هدى ، مازال الغبار يحجب الرؤية ، السيد " زعزوع " تجمد فى مكانه من الخوف عندما رأى بعينيه سقوط الرئيس " مهووس " على الأرض ، غارقا فى دمائه ، تملأها الدهشة والإستنكار ، غير مصدق لما حدث . القناص " إسلام الكاشف " مايزال يصب غضبه ولعناته ورصاصاته فى قلب الرئيس " مهووس " ورأسه حتى لايكون هناك فرصة واحدة لنجاته من الموت ، تمت محاصرته من الحرس والحراس ومطاردته حتى تمكنوا من القبض عليه هو ورفاقه ، لم يبال أو يهتم ، أحس بالراحة والسكينة تنساب بين ضلوعه بعد أن حقق هدفه . كان السيد " زعزوع " قد أفاق الى نفسه واستطاع  الإختفاء داخل السيارة المدرعة . بعد ان أحس بالأمان أتجه نحو الرئيس " مهووس " فوجده قد فارق الحياة نتيجة سكتة قلبية وليس بسبب ماأصابه من رصاصات قاتلة . تم إيداع القناص " إسلام الكاشف " هو ورفاقه لحين التحقيق معهم ومعرفة الأسباب الحقيقة وراء إغتيال الرئيس ومن هم ورائهم ، لم يكن هذا الأمر مفاجئا للشعب المنغولى ، لقد تم إغتيال الكثير من الرؤساء والمسؤلين المنغوليين على مدى العصور وإن إختلفت الأسباب والطرق . كانت محطات التلفاز الأجنبية قد إلتقطت صورة الرئيس " مهووس " اثناء اغتياله ، اضطر التلفاز المنغولى أخيرا الى إعلان وفاة الرئيس " مهووس " بعد أن حل محله السيد " زعزوع " . أعلنت حالة الطوارىء فى دولة منغوليا الوسطى لحين إشعار آخر . كانت العاصفة قد توقفت تماما . تم عمل إقامة تمثال جديد للرئيس " مهووس " لينضم الى تماثيل الزعماء الآخرين بميدان الحرية .








القلب المسروق (2)

فى أول خطاب للرئيس زعزوع أعلن لا تغيير فى سياسة البلاد ، أثارت تلك الكلمات سُخطْ وغضب الشعب المنغولى وعلى رأسهم القوى المعارضة ، لم يكن لديهم اقتناع كاف بتوليته رئيسا لدولة منغوليا الوسطى ، يعتقدون أنه غير مناسب ولن يقدم أى جديد . كانت كلماته تخرج من فمه مهزوزة ، غير قادر للسيطرة عليها ، إنه يشعر بأنه يرتدى حلة أنيقة واسعة عليه وغير مناسبة له تماما مما أثار ضحك وسخرية الكثير منه ، انتشرت قوات الأمن والاستخبارات فى أرجاء البلاد بناءً على توصياته لمعرفة  اتجاهات وآراء الشعب المنغولى فى الخفاء :
- حظه كان النائب الأول للرئيس مهووس.
- عرفنا أن المرحوم كان حرامى وشبع ....، لسه هننتظر لما زعزوع يسرق ويشبع كمان .
- دول ما بيشبعوش ....، والمصيبة أن فلوسهم بيهربوها فى الخارج .
- على رأى المثل كلهم......... ، ادخل الزريبة واختار ............
- البشاير باينه من أولها ، بيقلك نفس الكلام .
- سمعت آخر نكته .....، الرئيس زعزوع ....،
القلق والاضطراب ينضح من وجوه الناس ، رياح التغيير لم تهب بعد كما يظنون ، لقد خيب الرئيس "مهووس" آمالهم ومن قبله الرئيس عباس كما يعتقد المعارضون بكل طوائفهم ، تناقلت الهمسات بينهم بأن الرئيس "زعزوع" له صلة بحادث اغتيال المرحوم "مهووس" بالاتفاق مع الاستخبارات الشرشوحية لتوليته رئاسة البلاد مكانه ، لقد قدم المرحوم كل ما عنده من تنازلات ، لم يكن أمامهم إلا الخلاص منه ليحل محله نائبه لتكتمل مسيرة التنازلات والعطاءات لصالح دولة كوهين الشيطانية بالطبع .لقد بدأت بمعاهدة الوفاق بما فيها من تطبيع وبنود سرية ضمنت حياد أكبر دولة منغولية كانت تقف فى وجههم دائما لتحول دون تنفيذ مخططاتهم ، يخشون أن تفيق وتعود كسابق عهدها ،  الرئيس "زعزوع" فى مأزق ، يحاول تبرير موقفه من اغتيال الرئيس "مهووس" وكسب المعارضة بجانبه فى هذا الوقت بالذات ، أيضا لا يخسر ولاءه لشرشوحة العظمى وكوهين الشيطانية ، إنها معادلة صعبة كما يعتقد المعارضون وعلى رأسهم حزب الاصلاح الذى يتزعمه السيد نور . كانت تربطه به علاقة وطيدة من قبل . لقد ظل مقيما فى شقة بعمارته المطلةعلى النيل الكبير حينما كان ضابطا صغيرا بالجيش ، ما زالت تلك الأيام محفورة فى رأسه ، لقد انصهرت الأسرتان معا ، زيارات دائمة ، مجاملات،زوجة السيد زعزوع تلازم زوجة السيد نور لأوقات طويلة وخاصة أنه كان يقضى وقتا طويلا بعيد عن بيته بحكم عمله كضابط بالجيش المنغولى ، الأولاد فى أعمار متقاربة من بعضهما ، الابن سعيد محببٌ بين الجميع سواء من والده الرئيس أو السيد نور نفسه ، يختلف كثيرا عن أخيه عزيز واخته يسرى ، قلبه يخفق دائما بحب "شيماء نور" ، حتى بعد أن تركوا شقتهم  فى الخفاء يتابع أخبارها بالجامعة . ، يتمنى أن يقترن بها ولكن ليس قبل إزالة الصدع ومداواة الجرح القديم . لقد تم اعتقال والدها من قبل على أيدى والده فى عهد الرئيس الراحل "مهووس" . الخلافات السياسية تحول دون تحقيق أمنياته ، أحس أن الفرصة أقبلت نحوه عندما استدعاه والده ليشير عليه قائلا :
- أفكر فى كسب أحزاب المعارضة وخاصة حزب الاصلاح و...،
قاطعه :
- تقصد السيد/ نور
- نعم ، سوف أستدعيه للتفاهم معى و...،
قاطعه:
- بل يفضل أن تزوره فى بيته وتجدد العلاقات معه من جديد .
- ولكننى رئيس دولة منغوليا الوسطى الآن .
-        وأيضا كنت سببا فى اعتقاله من قبل .
-        كنت أنفذ أوامر الرئيس مهووس كما تعلم .
-        إذا زيارتك له فى بيته ضرورية لتفسير ما حدث من سوء فهم .
-        قد يظن ذلك ضعفا منى وأن يفهم أننى أتقرب منه لكسبه بجانبى فى بداية حكمى و......,
 قاطعه :
- سيكون ذلك فى سرية تامة  دون علم أحد .
 ضاع سعيد فى أفكاره , اعتقد أن الفرصة المناسبة مهيأة  الآن  ,المهم      المدخل الذى يضمن فتح قلب وعقل والده على مصراعيهما . فاجأه :
-        فيما تفكر ياسعيد ؟
-        أفكر فى كيفية استثمار هذه الزيارة لصالحنا .
-        كيف ؟
-        لو طلبت منه أن يزوجنى بنته شيماء و ....,
 قاطعه :
-        أعلم أنك تميل إليها ولكن هل تود الزواج منها حقيقة ؟
-        أى إنسان يتمنى الارتباط بها .
   بلهفة وبدون تفكير :
-        فعلا هى رائعة .
 أحس الرئيس زعزوع بالثقة والاعتزاز , إعتقد أنه ماض بخطوات ثابتة متزنة نحو تثبيت قبضته على دولة منغوليا الوسطى ,أيضا قام ببعض التغيرات التى تسير فى نفس الإتجاه , منها تغير وزير الداخلية . كانت هناك شائعات تؤكد أنه كان لديه علم كامل بمؤامرة إغتيال الرئيس "مهووس" , أيضا قام بتغير كل رؤساء المصالح المؤثرين فى الدولة وزرع العيون والجواسيس حولهم , لايهمه أن يكونوا أكفاء بقدر أن يكونوا موالين له ولنظامه بكل دقة واخلاص . عندما تقابل مع السيد/ نور أحتضنه بحرارة أمام أهل بيته , أستطاع أن يمثل دور المحب المخلص ببراعة واتقان ، لقد تعجب ابنه سعيد ، لم يصدق عينيه ، تمنى أن تكون تلك اللحظة قد أزالت كل الهواجس وأذابت أنهار الثلوج  المتجمدة التى تفصل بين قلبيهما ، تلتها ترحيبات وتحيات وكلمات تشيد بالماضى وذكريات حلوة إلى أن قال :
- طبعا أنت مندهش يا سيد/ نور لهذه الزيارة .
- كلا ، لقد جمع الحب والود بيننا وابنك سعيد الذى شرفنا له أهمية خاصة و....،
قاطعه :
- زيارتى لك تتعلق أساسا بسعيد.
- خير يا سيد زعزوع ؟
على مهل وبثقة واطمئنان قال :
- إبنى سعيد يتشر ف بطلب الزواج من ابنتك العزيزة شيماء.
تغير وجه السيد/  نور ، لم يفكر فى هذا الأمر من قبل ، كان طلبا مفاجئا ، أخذ يقلب الأمور فى رأسه بسرعة ، أحس أن وراء هذه الزيجة أهدافا أخرى غير معلنة وإن كان  إبنه سعيد يختلف عنه كثيرا، أخيرا اهتدى إلى رأى يعتقد أنه مناسب .
- طبعا يشرفنا يا سيد زعزوع ولكن يجب أن نأخذ رأى شيماء وهذه الشكليات .
- شيء طبيعى ولكن المهم أن يكون الرد فى أقرب وقت ممكن .
- طبعا، طبعا .
- هناك أمر آخر يجب أن أوضحه لك يا سيد/ نور.
- أى أمر؟
- بخصوص اعتقالك الأخير ،  لم يكن لى أى دورلأننى كنت أنفذ سياسة المرحوم "مهووس" كما تعلم ، وهذا هو السبب الآخر الذى أتيت من أجله لزيارتك .
ضاع السيد نور فى أفكاره ، إنه ما زال يتذكر تلك اللحظات المحفورة فى مخيلته عندما داهموه فى الهزع الأخير من الليل ، اقتحموا حجرة نومه ، كانت زوجته بنصف ملابسها ، كمموا فاه ، كبلوه بالأغلال أمام أولاده . كانت الجنود تحاصر البيت من كل اتجاه ، لم يعرف تهمته الشنعاء ، قادوه فى الظلام ، عجزوا عن معرفة مكانه، انقطعت كل صلتهم به تقريبا ، لم يعد إلى بيته إلا بعد عام كامل . فاجأه قائلا عندما أفاق لنفسه :
- ما كان عليك إذن يا سيد زعزوع أن تعلن أنه لا تغيير فى سياسة البلاد .
- أنت راجل سياسى وتعرف ألاعيبها، إنها مجرد كلمات لإرضاء الموالين للمرحوم وخاصة أن هناك إشاعات تؤكد أننى وراء اغتياله و...،
قاطعه :
- الاشاعات كثيره  ولو مشينا خلفها و...،
قاطعه :
- لذلك يجب القضاء عليها فى مهدها ويعلم الشعب المنغولى الحقيقة .
- تقصد الحقيقة من وراء اغتيال الرئيس مهووس؟
- بالضبط . لقد كانوا يخططون لقلب نظام الحكم بعد الاستيلاء على السلطة كما اتضح و ....
قاطعه :
- معنى ذلك أنك تنوى تغيير سياسة البلد يا سيد زعزوع .
بكلمات متلاحقة وكأنه يحفظها عن ظهر قلب .
- طبعا ..طبعا ولقد اجتمعت مع زؤساء المعارضة وعرفت مطالبهم ولديهم الحق فى الكثير منها .
انفرجت شفتى سعيد عن ابتسامة عريضة عقب الكلمات الأخيرة من والده ، عقب عليها قائلا .
- إذن لن يكون هناك اختلافات سياسية كبيرة بينك وبين أحزاب المعارضة يا والدى .
- طبعا ..طبعا وخاصة مع حزب الاصلاح .
أحس سعيد أن كل شيء تم كما أراد له.كان ذلك فى حضرة أخيها نضال ، لم يتفوه بكلمة واحدة إلا بعد أن غادر الرئيس زعزوع وابنه بيتهم . قال لوالده .
- أنا أرفض هذه الزيجة يا والدى .
الأسرة كلها وافقته الرأى بما فيهم أخته شيماء التى كانت تحس بالميل إليه ، ربما قلبها متعلق به . المشكلة كانت تكمن فى إبلاغ سعيد ووالده الرئيس خبر رفضهم لهذه الزيجة ، بعد مشاورات اتفقوا معا على هذه العبارة .
- حتى تنتهى من دراستها سوف نقرر الأمر .
لم يضجر أو يتضايق الرئيس زعزوع عندما أخبروه ، أحس أنه ضرب عصفورين بحجر واحد ، كسب السيد نور بجانبه فى هذه الظروف الصعبة وارضاء ابنه سعيد ، عندما تناقش مع زوجته نيران هانم بهذا الصدد أثارت فى نفسه الحمية قائلة :
- كيف يرفض طلبك ؟!
كان ذلك فى وجود ابنها "سعيد" .
- ليس رفضا يا أمى .. لو كنت مكانه لما فعلت غير ذلك
منذ تلك اللحظة وهو يفكر بجدية لمقابلتها والتفاهم معها عن قرب ، إنه يعتقد أنها تميل إليه حتى وهما طفلان صغيران ، بعد أن ناقش الأمر من كل جوانبه بينه وبين نفسه قرر أمر جلل ، أخذ يعد له فى الخفاء مستعينا  بنفوذه ، إنه ابن رئيس دولة منغوليا .










القلب المسروق ( 3 )

اعتقد "سعيد زعزوع" أن شيماء أصبحت شريكة حياته رسميا منذ لحظة طلب زواجها بغض النظر عن المراسم الأخرى. مجرد وقت وليس أكثر ، عندما تنتهى من دراستها الجامعية .ستكون عروسه ،  لقد تبددت حواجز الخوف وعدم الثقة بين والده ووالد "شيماء" الذى يكن له حب فياض جامح كما يعتقد "سعيد ". ما زال يذكر حادثة سقوطه من فوق شجرة التوت التى ما زالت كائنة بحديقة بيت السيد نور .كان طفلا صغيرا ، فى التو حمله فى سيارته  إلى مستشفى الحكمة الخاصة القريبة من البيت بمدينة المحروسة متحملا وحده كل الأعباء والمشقة . كان قد كُسرت ساقه اليمنى ، لم يعلم والده المشغول بعمله دائما شيئا إلا بعد عودته ببضعة أيام ، إنه يخشى مقابلة شيماء خوفا من أن يغضب والدها إذا علم بالأمرأو يتبدل هذا الحب الذى يكنه له إلى بغض وكراهية  ،قد يظن أن هذا الأمر يلوث سمعتها أو شرفها إذا علم بمقابلتها له دون علمه ، حبه الجنونى لها أعمى عيناه عن كل شيء ، اندفع بسيارته الخاصة نحوها دون أن يدرى. كان الحرس فى انتظاره ، أنه دبر لهذا اللقاء فى سرية تامة دون علم شيماء نفسها أو أحد من أهلها. كانت قد انتهت من محاضرتها . فاجأها رئيس الحرس .
- لو سمحتى تعالى معايه .
وقعت تلك الكلمات عليها كالصاعقة ، أحست أن لها طعما ورائحة غريبة . اللهجة الآمرة المتسلطة تعرفها جيدا ، بتلعثم والحيرة تتقاذفها .
- لم أفعل شيئا و....
قاطعها :
- لا تخافى .. هناك من يريد مقابلتك .
- من ؟!
- ستعرفين الآن .
وقع قلبها في رجليها،  ظنت أنهم سعتقلوها ، إنهم يستخدمون أساليب خبيثة مباغتة ، انساقت خلفه مسلوبة الإرادة ، أفكارها المباغتة تجرى فى كل اتجاه ، توقفت عندما اصطدمت عيناها بشبح طويل القامة ،  يخفى عيناه وراء نظارة سوداء ، يخيل إليها أنها تعرفه أو رأته من قبل .
- ربما يكون ضابط مخابرات من الذين قاموا باعتقال والدها من قبل ، زادت دهشتها واضطرابها عندما أمرها بالركوب داخل سيارته .
- إركبى يا آنسه شبيماء ، أود التحدث معك فى أمر مهم .
- لكننى ...
 قاطعها :
- لا تخافى أنا سعيد.
على الفور فُتح الباب الخلفى للسيارة فاندست داخلها دون أن تدرى ، انطلقت السيارة فى صمت مخترقة الشوارع  وكأنها تتجه نحو هدف محدد ، بارتباك قالت شيماء مستفسرة :
- أنتم ها تخطفونى ؟!
انفرجت شفتى سعيد عن ابتسامة عريضة ، على مهل ويتلفت خلفه تجاهها 
- زى ما خطفتى قلبى هخطفك.
استعادت جأشها قليلا ، تبددت مخاوفها بأمر اعتقالها وإن كان الخوف
 ما زال يسيطر عليها ، إنها لا تدرى أى مجهول ينتظرها . كان سعيد يرتدى حلة أنيقة ، ذات مواصفات خاصة . توقفت السيارة أمام مبنى غريب يشبه الكافتريا ، لم تتعود هذه الأماكن ، الأبواب تحاط بحرس ملفت للانتباه، عندما مرق سعيد أمامها انحنت له الرؤوس محيية ، ذات وجوه حادة ، لم تحس بالراحة نحوها ، تمر على شفاههم ابتسامات صفراء مغتصبة ، عشرات الأسئلة تدور فى رأسها ولكن لسانها عاجز عن التلفظ بكلمة واحدة  ، إنه مكبل داخل فمها ، لا يقوى على الحركة ، استيقظت من أفكارها على صوت النادل وهو يقدم لها كوبا من العصير .
- العصير يا أفندم .
مدت يدها بتكاسل . كان سعيد يجلس فى المقعد المقابل لها، تفصلهما عن بعض منضدة صغيرة دائرية ، لم يكن هناك غيرهما بالصالة باستثناء وجوه تروح وتجيء ذات نظرات ثاقبة ، بعضهم يشهر سلاحه فى تحد ، آخرون يخفوها داخل ملابسهم ، لم تستطع تحديد هوية هذا المكان بالضبط . كانت تقبض على كشاكيل محاضراتها بتشبس واصرار ، سقط احدها على الأرض ، دارت صفحاته حتى توقفت على محاضرة التاريخ الأخيرة . كانت شيماء تدون النقاط الأساسية مع بعض تعليقاتها الخاصة ، وقعت عينى سعيد على عبارة .
- تاريخ مزور .
لفتت انتباهه ، انحنى ملتقطا الكشكول من على الأرض ليعيده إليها ، سألها
- ماذا تقصدين بتاريخ مزور ؟
بارتباك وكلمات متباعدة .
- أقصد أن الأستاذ مُستأنس أفكاره متضاربة
فاجأها سعيد قائلا :
- الأستاذ مستأنس الشرخة أعرف أنه صاحب مباديء على ما أظن
- كنت أعتقد ذلك ولكنه على سبيل المثال كان يمجد ويفتخر بالرئيس مهووس وبعد رحيله تناقضت كلماته السابقة فى محاضرته اليوم .
- ربما كان مخدوعا فيه وعرف حقيقته .
- يبدوا أن الحقيقة غائبة لدينا دائما .
بعد صمت وتفكير قال
- ممكن نغيره بأستاذ آخر إذا ...
قاطعته :
- الأمر لا يستدعى ذلك ، إنه مجرد اختلاف وجهات النظر ، قد يكون على صواب .
-عموما لا تضايقى نفسك بهذه الأشياء التافهة فلنفكر فى أحوالنا .
- كلها هموما واحدة .
- دائما ترددين أفكار والدك وأخيك نضال و...
قاطعته :
- ممكن أفهم سبب اعتقالى ؟
بكلمات متباعدة تتخللها ابتسامة عريضة ونظرات حالمة .
- أنا السجين وليس أنت ، لم يعد قلبى ملكا لى ، أود أن أوضح لك الأمور المتشايكة .
ضاعت شيماء فى أفكارها ، توقفت عند طفولتها . كان سعيد يلازمها دائما وهى تجمع ثمار الفاكهة من حديقتها ، يلعب معها ، يدفع أرجوحتها برفق وحنان وهى تحلق عاليا ، تتعالى ضحكاتها . كانت أرجوحتها تربض تحت شجرة التوت ذات الثمار السوداء المحببة إليها ، عزيز أخوه يطردها منها ويحتلها ،. كانت لعبته المفضلة عسكر وحرمية . معظم الأطفال يلعبون معه بالاكراه  . كانت الحديقة ملتقى لكثير من أطفال الحى ، دائما يختار الضابط والجميع حرامية . نهره أخيه سعيد ذات مرة قائلا .
- ليه أنت كل مرة الضابط ؟
- علشان لما أكبر هكون ضابط .
 كان عزيز يكبر الأطفال جميعا بما فيهم أخوها نضال ، عندما رفضت  اللعب معهم ركبت  أرجوحتها ،فجأة دفعها بقوة ، فقدت توازنها ، سقطت على الأرض ، كُسرت سنتها الأمامية ، صرخ سعيد وهو يردد بهستريا .
- دم ... دم
هجم عليه أخوها نضال ، كاد يسقطه أرضا لولا تدخل عم عبده الجناينى . كان حمامة السلام والأب الحنون لهم جميعا ، لم يكن يعلم بما حدث ، عندما وقع نظره على شيماء استشاط غضبا ، صرخ فى وجه عزيز .
- أنت لا تأخد منهم حاجتهم لا تضربهم .. ما معنتش تلعب معاهم .
أخذ سعيد يمسح دم شيماء بملابسه الجديدة ، منذ تلك اللحظة لم يعد عزيز يشاركهم ألعابهم فى وجود عم عبده الجناينى ولكنه كان ينقض عليهم كالنسر الجائع فى غيابه ، يخطف ما فى أيديهم من فاكهة جمعوها من أشجار الكمثرى والبرتقال واليوسفى ثم يطير صاعدا إلى شقته أو يقطف بعض ثمار العنب التى لم تنضج بعد ويبعثرها فى كل مكان . عندما شكته شيماء إلى عمها عزيز أثناء عودته من الجيش .
- عزيز بيضربنا و...
قاطعها :
- إلعبوا مع بعض .
وعندما شكت إلى نيران هانم أمه .
- عزيز وقعنى من المرجيحة .
- ما يقصدش
قال لها سعيد الواقف بجوارها .
- يقصد يا ماما ... محدش بيحبه .....
أخرجها من أفكارها مظاهرات تردد .
- يابلدنا رايحة لفين ...
المظاهرات تزداد اقترابا منهما . كانت آتيية من الشارع الرئيسى ، تغير وجه سعيد ، أخذ يتطلع بقلق واضطراب تجاه الأصوات الهادرة المزلزلة ،. بكلمات مقتضبة .
- المعارضة هيعملوا فتنة فى البلد .
-  لم تبد أى تعليق على كلماته الأخيرة ، كانت مشغولة بكيفية التخلص من كوب العصير وكأنه قنبلة موقوتة سوف تنفجر فى أى لحظة . نهض سعيد متطلعا تجاه الشارع الرئيسى. كان المبنى مغلف بزجاج شفاف سميك ، يسمح  لمن ما بداخله رؤية ما فى الخارج ، الأصوات الهادرة تخترق أذنيه وهي تردد.
- رئيسنا لعبة وشخشيخة
قذف المتظاهرون سور المبنى الزجاجى بالحجارة ، فشلو فى اصابته . كانت لديه القدرة على مقاومة الحجارة ، هجمت عليهم عناصر قوات الأمن وكأنهم كانوا على موعد فى معركة ضارية غير متكافئة ، أصابو منهم الكثير بإصابات مختلفة ، اعتقلوا عناصر ظنوا أن لهم نشاط واسع بعد استخدامهم قنابل مهيجة للأعصاب وهراوات كهربائية تم استيرادها خصيصا من دولة شرشوحة العظمى . ماتت أصوات المتظاهرين ، لم يتبق منها غير دماء تجلطت بالشوارع ، أنين صرخات مكتومة لأجسام مهدودة على أن يتم إسعافها، رائحة البارود والدخان تقتحم البيوت ، مدرعات ومجنزرات تطوق مداخل الطرق والشوارع الرئيسية حتى امتداد النهر الكبير ، كانت مياهه آسنة يعترى وجهها عوامات ذات نفوذ كبيرة ، شاطئيه أخذا فى الانهيار . قالت شيماء فجأة بعد أن تطلعت فى ساعة معصمها .
- لقد تأخرت كثيرا ، يجب أن أذهب حالا .
نهضت واقفة ، بعد صمت وتفكير قال لها سعيد وهو يتطلع إليها بعينين فاحصتين .
- حسنا ...، سأوصلك لبيتك .
- لا داعى .
- المظاهرات تمنعك من الوصول وربما يقبضون عليك .
على مضض .
- لا بأس ولكن إلى أقرب مكان لبيتى .
بذعر واضطراب شاملين اندست داخل السيارة . كانت تخفى وجهها خشية أن يراها أحد ، الشوارع مزروعة بلافتات مكتوبا عليها.
- نعم للرئيس زعزوع ... الرخاء قادم ...
كانت الكمائن والشارات الحمراء تُفتح أمام السيارة فى التو ، تنهب الطريق ، عندما أحست شيماء باقتراب بيتها وأنها أصبحت فى مأمن قالت له .
- لو سمحت سأنزل هنا .
كانت أمها تروح وتجيء بشرفة الشقة كاللبئوة المحبوسة نظراتها تمتد بعيدا ، لم تتعود تأخرها ، تخشى أن يكون قد وقع لها حادث ، أو....، بمجرد أن وقع نظرها عليها صرخت فيها قائلة :
- أنت تأخرت ليه؟!
بعد صمت وتفكير محاشية تقابل وجهها بوجه أمها .
- المواصلات مقطوعة بسبب المظاهرات و....
قاطعتها :
- الشيطان قاعد يوسوس لى من ساعتها.
ضاعت شيماء فى أفكارها ، كانت فى حيرة من أمرها ، إنها لا تخفى عن أمها شيئا ، قد تكتشف يوما أنها قابلت سعيد وأخفت عليها ، أيضا قد تكون مصلحتى فى عدم لقائه ومقابلته ، أخرجتها من أفكارها رياح غاضبة ، تصفع الشرفة على وجها . كانت الأوراق والأشياء النائمة فوق مكتب شيماء فى مواجهتها ، تطايرت وسقطت على الأرض ، أخذت تتابع ركلاتها لجريدة منغولية ، تفككت صفحاتها فى كل اتجاه . كانت الرياح تهب على منغوليا الوسطى طوال العام دون سابق انذار ، لا تميز بين فصول الشتاء أو الصيف ، دائما محملة بالأتربة والغبار والرمال ورائحة نفاذة ، وقعت عينى شيماء على الصفحة الأولى من الجريدة ، مطت شفتيها بامتعاض ، ضاعت فى أفكارها ، بعد أن أغلقت أمها الشرفة أخرجتها من أفكارها متسائلة .
- فيما تفكرين يا شيماء ؟
وهى تهز رأسها باستنكار
- أفكر فى أحوال البلد بعد أن أصبح عم زعزوع رئيسا للدولة .
قالت الأم وهى تأخذ نفسا عميقا .
ستصبح أسوأ ما هى عليه الآن .
- ولكنن أعتقد أن عمى زعزوع طيب .
- المشكله انه يفكر بأذنيه وزوجته نيران هانم لها تأثير طاغي عليه وسوف ينعكس على تصرفاته .
- كيف ؟
- أقصد أن نيران هانم ذات تأثير طاغى عليه وسوف ينعكس ذلك على سياسة البلد
- لا أظن
- إن حكمك عليه عندما كنت طفلة صغيرة ، لكن يجب أن تعلمى أنه لا يفعل شيئا دون الرجوع إليها منذ بداية زواجه .
- لم أفهم مقصدك يا أمى .
بكلمات متقطعة وابتسامة تمر على شفتيها .
- لقد ذكرتينى يوم أن جاء لاستئجار شقتنا بعد الاتفاق على كل شيء مع والدك .
- هل نقض كلامه أم تشاجر مع نيران هانم ؟
 لقد صرخ مستغيثا لتدخل والدك لاقناعها وهو يردد.
- خامس شقه ترفضيها. لم نجد أفضل من ذلك ثم أننى اتفقت مع السيد نور
 ببرود ودون مبالاة :
- قلت لك ألف مرة فكر وحاول أن تفهم قبل أن تتكلم ... قلت أننى موافقة على الشقة بشرط أن تغير بدلة الفرح و...
قاطعها :
- إنها بدلة ثمينة وغالية الثمن.
قاطعته:
- دائما تخلط الأمور ببعضها ، أنا أتكلم عن لونها الذى يشبه بدل الجنود ولا يتناسب مع فستان زفافنا .
- أغير البدلة ، فى حاجه تانيه ؟
- والحذاء غير مناسب أيضا
- ماذا فى الحذاء؟
- يجب أن يكون كعب عال حتى يعوض الفرق فى الطول بينى وبينك ليكون منظرك مناسبا وملائما أمام أقاربى وكل المدعوين
- أمرى إلى الله ... المشكلة أننى لا أستطيع أن أرفض لكى طلب
قالت شيماء لأمها التى كانت مصغية لها بكل حواسها وكيانها وعقلها حتى قالت
- تقصدين أنه يحس أنه من طبقة دون طبقتها؟
- نعم . اضافة إلى ذلك أن لهجته تميل إلى لهجة الفلاحين بينما لهجتها أخذت لهجة المدينة ... فيحاول تقليدها فتضيع منه الحروف وتتشابك ويبدو مهزوزا .. ثم أنها جميلة للغاية وذكية
- ربما يتغير ويثور عليها بعد أن أصبح رئيسا للدولة
- إنه ضابط ويجيد تنفيذ الأوامر وتعود على أن لا يكسر أوامرها
- ربما هو الذى يفرض أوامره عليها بعد ذلك .
- لا أظن .
- وكيف يكون رئيسا لدولة منغوليا الوسطى إذن ؟!
- ربنا يُستر.